أكبر تحد للقراءة خضته في حياتي كان يتعلق بكتاب ( قصة الحضارة ) لويل ديورانت . أنجزته خلال ثلاثة أشهر وثلاثة أيام بواقع سبعة مجلدات في كل شهر ، من الموسوعة البالغة واحداً وعشرين مجلدا . استفدت كثيراً من تلك التجربة بلا شك ، واعتبرت الكتاب واحداً من الكتب التي غيرت في حياتي الكثير . ومع ذلك أقول اليوم كان بوسعي أن أكون أكثر بطئا وتأنيا ، وبالتالي أكثر استفادة من قراءة الكتاب على الأرجح .!
منذ أن فرقت ( الخلافات الفكرية ) بيني وبين أحد أعز أصدقائي حتى مرت سنوات دون أن أراه وأنا أتعامل مع ذلك النوع من الخلافات - أو الاختلافات بالأحرى - بحذر شديد . أقول لنفسي عادة إن المهم فيما بيننا وبين الآخرين هو البعد الإنساني والأخلاقي كأساس للعلاقة والتواصل .. هذا ما يجب أن نركز عليه باستمرار وأن نأخذه بعين الاعتبار ، أما ما سوى ذلك فينبغي أن نعده - على أهميته بالتأكيد - أموراً عادية لا يفترض أن تفسد للود قضية ولا أن تتحول إلى ساحة للاحتراب أو الاقتتال .. ( يسعنا أن نختلف حول أمر ما حد التناقض ، وأن نبقى أصدقاء في ذات الآن ) . الأفكار يمكن لها أن تتغير ، والقناعات يحدث أن تتبدل أو حتى أن تتلاشى تحت تأثير النضج أو ارتفاع منسوب الثقافة والوعي وما إلى ذلك . وأخيراً أقول : لعله من النادر أن تكون هناك فكرة تستحق أن نخسر شخصاً نحبه لمجرد اختلافنا حولها أو تباين آرائنا إزاءها .. والله أعلم 🤔
في تلك الأيام ( أعني في تلك الأيام 😉 ) دخلت إلى مقر إحدى دور النشر العربية - في معرض الكتاب في جدة - سائلاً عن كتاب ( النص المؤسس ومجتمعه ) لخليل عبدالكريم فارتبك البائع وغص بريقه أو كاد ، خشية أن أكون سائلاً من ذلك النوع ( أعني من ذلك النوع 😉 ) ، ولم يستجمع الرجل قواه وتعد إليه نفسه التي كادت أن تفارق جسده حتى تحدثت معه قليلاً عن خليل عبدالكريم وعن كتبه حديث طالب العلم الباحث عن المعرفة والراغب فيها ليس إلا ، دون أي حسابات أو غايات أخرى مما خطر بباله حالة رؤيته - لي - ابتداء بالتأكيد . وبعدها تعاطى الرجل معي بشكل طبيعي وأخذ بيدي إلى ما كنت أريد ، وبقي هذا الموقف في ذهني من ( تلك الأيام ) وحتى اليوم 🙂
أعرف أنني شخص عاطفي إلى حد كبير ، وأعرف في المقابل - أيضاً - أن لي قدرة لا بأس بها على ضبط مشاعري والتحكم في أعصابي والسيطرة على جيشاني العاطفي إلى أمد غير قصير على الأقل . وكنت مضرب المثل في نطاق العائلة والأصدقاء حين لم أذرف دمعة واحدة يوم وفاة أمي وأختي رحمهما الله .. لكن قبل أيام - وأنا أودع أختي وأبناءها بعد أن قضوا معنا شطراً من العطلة الصيفية في مكة - خانتني رباطة جأشي المعهودة وتجلدي في النوازل وذرفت دموعي مرغماً .. وتقول لي ابنة أختي - مواسية - : ( لا تبك ) . فأتمالك نفسي إرضاء لها ، ثم أقول لها - أعني نفسي - : ها قد جاء اليوم الذي تنهرك فيه فتاة صغيرة عن البكاء بعد كل ما حشوت به رأسك من قراءات وتجارب عن الصبر في مقارعة الخطوب ومواجهة نكبات الدهور ، وبعد كل ما حققته من نجاحات مشهودة في هذا المضمار الخطير والعسير .. !!
ولله الأمر من قبل ومن بعد 😂
قول في المتنبي ( مجرد خاطرة / من رسالة إلى صديق ... ) :
كان المتنبي مثقفاً كبيراً دون شك . لكن يخيل إلي أن حكمته الشهيرة لم تكن نابعة من تلك الثقافة بالضرورة ، بقدر ما كانت نابعة من تجاربه وخبراته المباشرة في الحياة .
كانت حياة الرجل مريرة ومحبطة وملية بالخيبات والانكسارات . ولم يكن الأمر فيما أظن مقتصراً على فشله في الوصول إلى السلطة أو الولاية أو الحكم ، بل كان يتضمن - إلى جانب ذلك كله - فشله في أن يجسر الهوة ما بين القيم والأخلاق من جهة والواقع البشري من حوله من جهة أخرى .. فشله في أن يحقق ذلك في نفسه ، وفي باقي الناس من أهل عصره كذلك .
كان يحاول ، فيما أظن ، أن يرتقي بنفسه فوق أمراض نفسه ونواقصها غير أن شرطه الإنساني كان يقف له بالمرصاد . لم يرد الرجل أن يكون شيئاً سيئاً بيد أنه عجز عن أن يكون شيئاً آخر .. لم يتمكن من التسامي فرضي بالأمر الواقع ، وفلسف ذلك الأمر الواقع حتى يتسنى له أن يعايشه وأن يتكيف معه .. بعيداً عن تقريعات نفسه وزمجرات ضميره وضربات عقله المحتج على ذلك المسلك غير السوي . كان المتنبي ، أخيراً ، مأساة تمشي على قدمين .. وصراخاً عالياً في مواجهة نفسه قبل زمنه وأهل زمنه ، وبكاء على عجزه وضعفه قبل أن يكون بكاء على ما فاته من حظوظ الدنيا وفرص الحياة .. وبتلك المأساة التي صارها ، صار المتنبي .. وصار المعنى والقيمة التي نعرفه بها اليوم .!
بُكَائِيّةُ الأَب !
( مقطع من نص قديم )
هلْ تصدّقُ ..؟
كانَ قُبيلَ قليلٍ هنَا ..
راقدًا في الفراشِ .. يتمْتمُ بالذِّكْرِ ..
يقرأُ بعضَ التعَاويذِ .. شيئًا من الآيِ ..
ياسينَ والنّاسِ ..
يُعلي عَقِيرَتهُ حينَ يتْلو الفَلقْ !
هلْ تصدّقُ .. ؟
كانَ قُبيلَ قليلٍ هنَا ..
ثمّ أبْحرَ في الرِّيحِ
حتى اختنقْ ..!!
كان عبدالوهاب البياتي هو أول شاعر حداثي أقرؤه في بداية قراءاتي الشعرية قبل أن أعرف ماهية الشعر الحديث أصلاً أو أن أتعرف إلى شيء من أسراره وخباياه . لم أنسجم مع شعره حينها بطبيعة الحال ، غير أنني أحببته لاحقاً أو تصالحت معه على الأقل . ورغم أن البياتي أقل أهمية شعرية من عديد من أقرانه ومجايليه ( السياب على سبيل المثال ) أو حتى من بعض لاحقيه من الشعراء العرب ( درويش أو دنقل على سبيل المثال أيضاً .. ) إلا أنه بقي قريباً إلى نفسي ووجداني ، وبقيت اهتماماته الفكرية وتأملاته الفلسفية وتوظيفاته المختلفة للتراث والأسطورة تسترعي انتباهي على الدوام ، وتنسيني بعض ما يعتري شعره - أو يلابسه - من جفاف أو تقريرية أو مباشرة . حاولت أن أعثر مراراً على مسرحيته الشعرية ( محاكمة في نيسابور ) - يعدها بعض النقاد أهم أعماله ربما - بيد أنني لم أجد إليها سبيلاً ، أو أنني لم أجتهد في البحث عنها كما ينبغي في حقيقة الأمر . بقي أخيراً أن أشير إلى أن ديوانه الأقرب إلى نفسي باستمرار هو ( الذي يأتي ولا يأتي ) .. 🙂
كتبت قبل سنوات عن شمس مكة التي ( تحبنا ) كثيراً وتسطع فوق رؤوسنا باستمرار ولا تكاد تغيب عنا إلا فيما ندر . ويومها التقط صديقي الكاتب الكبير محمود تراوري ما كتبته ووظفه في إحدى قصص مجموعته ( نداءات الأزقة الأخيرة ) . وصدح محمد الثبيتي في إحدى قصائده قائلا : ( .. وبللها لعاب الشمس ) ، وكنت أتعامل مع ما كتبه على أنها جملة مجازية محلقة اقتنصها خيال شاعر بارع وحسب . غير أن شمس مكة هذه الأيام لها ( لعاب ) حقيقي يبلل الرؤوس والأجساد بحق .. تفطنت إلى هذا الأمر مؤخراً حين كنت أواجه شمس ( العصاري ) - محتمياً منها بوشاحي ونظارتي الشمسية قدر المستطاع - وهي تتسيد الأفق بوهجها الساطع والحارق في ذات الوقت . أما الخروج في شمس الظهيرة هذه الأيام فهو سلوك غير مسؤول يكاد يرقى إلى مرتبة الانتحار أو إلقاء النفس في التهلكة !! 😂
ذكر نجيب محفوظ ذات مرة أنه عاش في عزلة القراءة والكتابة وأنه لم يكن يرى الدنيا إلا يومي الخميس والجمعة . فرضت الرهبنة في محراب المعرفة والعلم هذا النوع من العزلة على شخصيات كثيرة بالتأكيد ، وكان لذلك أثره الواضح في قوة وتميز ما قدموه من إنجازات معرفية أو علمية .. وفي حياة أي باحث جاد - أو أي قارئ مجتهد حتى - هذا النوع من العزلة والخروج من دائرة الحياة اليومية كما هو معروف . أذكر أنني لاحظت ذات مرة - وبينما كنت منهمكاً في قراءة كتاب تقريري وأكاديمي جاف حول نظرية المعرفة - أن أصوات الحياة في الشارع تتناهى إلى سمعي لتذكرني بأن ثمة أشياء أخرى تدور من حولي بينما أنا غارق في عالم الكتب . أتساءل ، أحياناً ، أيهما أربح للإنسان .. أن يعيش حياته - المحدودة والفريدة في النهاية - في زحمة الواقع وضجيجه وأحداثه وعلاقاته .. أم أن يستغرق في عوالمه الخاصة واهتماماته الإبداعية والفنية حتى لو فاتته الحياة الواقعية أو ضاعت منه كثير من متعها ولذاتها المهمة هي الأخرى بالتأكيد . هل يمكن الجمع والتوفيق بين الأمرين ؟ وإن كان لابد من المفاضلة بينهما فأيهما حقا أجدر بالاختيار ؟ . يحلم العالم والمفكر والأديب بالخلود عن طريق كلماته وإبداعاته .. وهو مستعد للتضحية بكل شيء في سبيل ذلك ، حتى لو كان المضحى به هو الحياة - المحدودة وغير القابلة للتكرار مرة أخرى - بحد ذاتها ..
هل يستحق الأمر كل هذا الثمن الفادح والباهظ يا ترى !؟
أتساءل فحسب ...
مؤكد أستاذة ولاء . اهتمامات الإنسان المعرفية والإبداعية كثيراً ما تشكل أولوية لديه على كل ما سواها .. وهو على استعداد دائم لأن يضحي في سبيلها بكل شيء ، لأنه يرى - وببساطة - أنها الحياة التي تستحق أن تعاش .. وفي المقابل لن تشكل الحياة الواقعية ، غالباً ، أي إغراء بالنسبة إليه ، ويكفيه أن يحصل منها على القدر الضروري الذي لا غنى عنه .
تقديري وتحياتي لك ، وشكراً جزيلاً على الإضافة والإثراء 🌹
محاولة للصعود إليها !
( جزء من النص ... )
تكونينْ ..
هاهو وقتي يكونْ
وهاهي ناري تكونْ
وها أنا أرْفُو ثقوبَ الخليقةِ
أكتبُ عهدًا جديدًا ،
وأبقى أغني لوجهكِ ،
أبقى أعانِي ،
بوصفكِ ..
يا حيرةَ الكلماتِ ،
وحزنَ الضِّفافِ
وكلَّ الأسى والمُنى
وجميعَ الحروفِ
جميعَ الرُّؤى والصَّدى والنَّدى والمعَانِي ...
عرفت عبدالله بيلا منذ عام ( ٢٠٠٣م ) على الأرجح . كان شاعراً لافتاً وواعداً منذ بداياته الباكرة ، ومنذ نصوصه الكلاسيكية الجزلة التي كنت أقرؤها له في الصحف والمجلات حينها . كان نمطاً مختلفاً عن باقي زملائه وأقرانه .. يصدر عن تجربة صادقة ، وينطلق من موهبة ساطعة .. ويتحرك في منطقة خاصة .. لا يشبه الآخرين ولا يشبهونه . وحين فتحت له قصيدة التفعيلة أبوابها ، دخل من أوسع تلك الأبواب .. واهتدى باكراً إلى صوته الخاص ، وإلى أفقه المتميز الذي لم يكف عن توسيعه وإغنائه منذ تلك اللحظة . ومنذ مجموعته الشعرية الأولى ( تآويل ترابية ) ، مروراً ( بصباح مرمم بالنجوم ) إلى ( سفر إلى الجسد الآخر ) .. وصولاً إلى مجموعته الرابعة ( أربع وعشرون ذاكرة لقصيدة واحدة ) وهو لا يتوقف عن منافسة نفسه ، راغباً في تجاوزها وفي التفوق عليها باستمرار . لطالما فكرت - وأجلت وتقاعست للأسف - في أن أكتب بحثاً تحت عنوان : ( شعراء في مكة .. عبدالله بيلا وجيله ) ، أعني مواليد السبعينات والثمانينات من الشعراء في مكة .
ولطالما كانت تجربة بيلا محرضة لي على التشبث بالشعر والانحياز إليه ، رغم إغراءات الراوية وغوايات الحقول الإبداعية والفكرية الأخرى . لم أكتب هذا الآن بلا مناسبة معينة ؟ لست أدري ! . أيكون هو الحب ليس إلا !؟ . أجل على الأرجح . أجل هو الحب فحسب .
* الصورة المرفقة - قبل أعوام - في منزل الصديق الشاعر الروائي عبدالله ناجي .
@abdallahbila
@ab_naji10






