Pinned Tweet
غالبًا ما تصلني رسائل خاصة تستفسر عن الكتب التي أحبها أو تطلب مني توصيات لقراءات بعينها وكأنني أحتفظ في مكتبتي بقائمة جاهزة من العناوين التي أؤمن بوجوب أن يقرأها الجميع. لكن الحقيقة أنني لا أملك هذا النوع من الحبّ للكتب ولا أعتقد أن تجربتي مع القراءة تصلح لأن تُنقل كنصيحة أو تُتداول كترشيح.
بعد عملتيين جراحية.. ناجحة..
اليوم انبسطت قال الطبيب تقدر تمشي.. وجالس اكشي في حينا.. واليوم الجو في الخبر حكاية حنين يمر هواءه كمرور العابرين بنعومه نسيمه ولطفه.. رائحة الرطوبة والملوحة في قرب الشتاء… لها عذوبة في حكايات الذاكرة…
وسم اللغة الرصينة بالاستعراض البلاغي حالة من الرهاب المعرفي وحيلة دفاعية تبرر الكسل الذهني الساعي لفرض وصاية تشترط تسطيح النقد ليطابق الممارسة المسطحة وهو خضوع كامل لسلطة الركاكة.
مشكلة هذه الكتب أنها تحول الفلسفة من أداة تفكير تشكك في المسلمات وتفهم الواقع إلى كتالوج يومي لتطوير الذات وتسكين القلق وتصنع منها في الوقت نفسه دينا بديلا يقدم وصايا وطقوسا لراحة البال والتعايش السلبي مع المشاكل… في حين أن قيمة الفلسفة الحقيقية تكمن في قدرتها على إزعاج ذهنك وطرح الأسئلة الصعبة التي ترفض الإجابات الجاهزة والمعلبة…
القراية الصدقية ما تجيب لك راحة البال ولا الروقان اللي يصورونه حقين الكشخة لأنها تعفسك وتورثك ضيقة وقلق يهد الحيل…. وإذا كانت نشوة الدوبامين السريعة تجيك أول ما تلقط لك معلومة جديدة وتطير فيها فإنك في ساعة تفكيكها وتغوص فيها صدق تستوعب إنك ما مسكت شي…. وإن كل اللي عرفته ما يجي إلا مثل خاتم طايح بنفود ما له أول ولا تالي.
تتحول المعرفة إلى ترف فكري حين يعاملها الإنسان كمقتنى رمزي يُراد منه الشعور بالتمايز عن الآخرين لا كأداة لاختبار الواقع وتصحيح الممارسة إذ يكتفي بالحديث عنها لتعويض العجز عن الفعل ويستبدل خوض التجربة وتكلفة الخطأ براحة التجريد اللغوي التي تمنح إحساساً زائفاً بالامتلاك دون أن تلزمه بأي إنتاج أو بناء حقيقي.
تختزل الصورة المعرفة في مجرد استعراض طبقي يحول الفلسفة والعلوم إلى مقتنيات تزيينية غايتها صناعة تميز شكلي متخيل… إذ تُفرغ الرموز الإنسانية من ثقلها الوجودي لتتحول إلى ملصقات استهلاكية تجاور رقعة الشطرنج وفنجان القهوة مما يمنح صاحبها شعوراً بالتفوق دون دفع ثمن التحصيل المنهجي أو مواجهة الواقع…
حيث يتكئ هذا النمط على حشر العناوين الكبرى في قائمة سريعة تتظاهر بالإحاطة الشاملة بكل مجالات الوعي ليصبح الفكر غطاءً يغذي الرضا النرجسي بدلاً من أن يكون أداة إنتاج وفعل… إذ يكتفي المستهلك بعيش التجربة في خياله عازلاً عقله داخل برج عاجي يتزين بالقشور المعرفية ويهرب تماماً من مسؤولية الممارسة الحقيقية….
حين يكتشف الواحد منا خطأ فكرة قديمة يظن واهماً أنه عرف الصواب لمجرد تخلصه منها إذ يدفعه فراغ السقوط تلقائياً إلى تبني عكسها المتاح مع أن نقض الخطأ لا يعطيك الجواب الصحيح تلقائياً ويفتح أمامك خيارات واسعة تتطلب بحثاً وبناءً مستقلاً تماماً كما أن هدمك لبيتك القديم يتركك في العراء ولا يصنع لك مأوى جديداً حتى تبدأ البناء بيدك من الصفر.
يستنطق السيّاب وحشة عزلته حين يصرخ:
وحلّ الليلُ...
ما أطويهِ من سَهرٍ إلى سهرِ
ومن ظُلَمٍ إلى ظُلَمِ!
إذ يجسد العتمة كحصار كوني يحكم قبضته على الروح بحيث يغدو الليل متاهة أرق ممتدة تتراكب فيها الظلمات طبقة فوق أخرى لتشكل كيانا كثيفا يبتلع الصدى ولا يبقي للذات سوى الاتكاء على وجعها في فراغ سرمدي لا ينقشع.
أحاولُ أن أعيش كما أنا وأتركُ النهارات تمضي على هواها دون اضطرار لتبرير صمتي أو مجاراة أحد حيث يصفو لي الوقت وأجد نفسي خفيفاً في مساحتي التي لا يشاركني فيها غريب…
إن الأسلوب التفسيري الذي سار عليه الأخ يماثل طريقة ابن رشد الشهير بلقب الشارح إذ اتسمت كتاباته ببيان متون غيره وتوضيح مقاصدها كما يتجلى في كتابه فصل المقال الذي صيغ كجواب تفسيري عن مسألة شرعية قائمة وهو منهج أراه شديد النفع للمشتغلين بالقانون نظراً لكون عملهم ينصب على قراءة الأنظمة المكتوبة وتفسير نصوصها وتلخيص أحكامها عوضاً عن ابتكار القواعد القانونية وتشريعها ابتداءً.
تتحول لحظة الترقب في عتمة السحر إلى حزن صامت يسري في نخاع العظام إذ تنكسر الظلمة عن شحوب بارد يفضح إعياء السهر وثقل الوحشة في الصدر بينما الجسد مصلوب في سريره بلا نوم يعينه ولا حيلة يدرك بها طمأنينة الإصباح لتبقى نبضاته تئن تحت وطأة انقضاء ليل طويل لم يورثه سوى وجع خفي ينبسط في كل عصب يرجو سكونا لا يجده.
ينبثق الصباح كانكشافٍ أوليٍّ للوجود وانفتاحٍ صريح للإدراك على العالم حيث يبدأ هذا التحول من الجسد الحي قبل أن تبلغه لغة المفاهيم المجردة إذ يسترد الجسد في لحظة اليقظة الأولى ثباته المكاني فتستيقظ الحواس بوصفها منافذ انغراس الكائن في واقعه العيني فيغدو ملمس الهواء البارد وتسلل الضوء عبر الأجفان الكيفية الظاهرة التي يعلن بها العالم عن حضوره الفعلي مما يتيح للجسد استعادة أطرافه واستئناف اتصاله الوثيق بالأشياء المحيطة به ضمن وحدة متماسكة لا تقبل التجزئة.
ويتأسس هذا الحضور على استعادة الكينونة في العالم إثر انحسار النوم بحيث يجد الكائن نفسه ملقى في شبكة من المعاني المتشابكة السابقة على إدراكه فيواجه مقتنياته وأدواته اليومية بوصفها موضوعات مندرجة في صلب اهتمامه وقلقه الوجودي المستمر لتغدو عتبة الصباح المجرى الفعلي الذي يتحول فيه السكون إلى إمكانية متجددة تدفع الذات إلى النهوض محملةً برواسب ماضيها ومتوجهةً إلى أفق مستقبلها عبر فعل الاختيار والمسؤولية مما يجعل الصباح استئنافًا للتجربة الإنسانية بأكملها وانعتاقًا من صمت الغياب إلى صخب الفعل والحضور الذي يعيد تشكيل العالم مع كل يقظة جديدة
باعتقادي أصبحت القراءة العربية للكتب ذوات الحقول المعرفية المتعددة قراءة بائسة رغم هويتي وحبي للسانها وجمالها حين تنقل روح الفهم في تعريب الكتب من اللغات الأخرى.. إلا من يبحر في الحقول المعرفية وقراءته شبكية لن يحصل على مراده في الكتب العربية وذلك لسبب أصبحت عاجزة عن التعريب والتوقف عند باب سدةْ أبوابه وهمها وهاجسها صناعة المال من ورق وكلمات لا تقرأ… فتضع للقارئ وهم القراءة…
أن حركة بعض الأحلام إذ اقتربت إلى شكل الكابوس هو نسيج نسجته الذاكرة والانفعالات حول الخوف والأمان والحماية…الخ






















