.
لم تكن جنتان عابرتان في أرض قاحلة، بل بستانان اجتمعت فيهما أسباب الخصب والرخاء؛ أعناب تتدلى عناقيدها، ونخيل يحيط بهما، وزرع يمتد بينهما، حتى غدا المكان عامرا بألوان النعمة ووفرة العطاء.
قال تعالى:
﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا﴾
كان كل شيء في الجنتين يوحي بسعة الرزق وتمام النعمة؛ ثمر لا ينقطع، ونهر يجري بين الأشجار، وأرض تجود بخيراتها. غير أن صاحب هذه النعمة لم ير فيها آية تستوجب الشكر، بل رأى فيها ما يغذي إعجابه بنفسه، حتى أنسته وفرة العطاء افتقاره إلى واهبه.
قال تعالى:
﴿وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا﴾
لم يقف غروره عند حدود ما يملك، بل امتد إلى ما ظن أنه ينتظره في الآخرة؛ فاستبعد زوال جنته، وشك في قيام الساعة، ثم ظن أن له عند الله منزلة تضمن له في الآخرة خيرا من جنته. وكأن وفرة الدنيا عنده شهادة باستحقاق المزيد، لا ابتلاء يستوجب الحمد والخشية.
وهنا وقف صاحبه المؤمن أمام هذا الغرور، لا يغريه بريق المال، ولا تستميله كثرة النفر، فرده إلى الحقيقة التي غابت عنه، وذكّره بأصل وجوده، وبالذي أنشأه من تراب ثم من نطفة، وسواه رجلا.
قال تعالى:
﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا﴾
لم يكن المؤمن ينظر إلى الجنتين كما ينظر صاحبه إليهما؛ فهذا يرى فيهما ملكا خالصا له، وذاك يرى فيهما نعمة من الله، لا تملكان بقاءهما، ولا تدومان إلا بمشيئته. وما بين النظرتين مسافة بعيدة؛ إحداهما يملؤها الاغترار، والأخرى يملؤها الإيمان بمعرفة المنعم.
ثم جاءت اللحظة التي انكشف فيها ضعف ما ظنه صاحبه ثابتا لا يزول؛ فذهبت الخضرة، وانقطع النماء، وتهدم ما كان يفاخر به، حتى لم يبق من ذلك البهاء إلا الحسرة.
قال تعالى:
﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا﴾
زالت الجنتان، وانقطع عنه ما كان يظنه باقيا، فلم يغن عنه ماله ولا نفعته كثرة من كان يعتز بهم. وهكذا انكشف له أن النعمة مهما عظمت لا تستقل ببقائها، وأن الملك لله وحده، يؤتي فضله من يشاء، ولا يدوم عطاء إلا بمشيئته.
.
أيُّ قلب هذا الذي يُؤمر بأن يضع رضيعه في تابوت، ثم يدفع به إلى أمواج اليم، وأيُّ يقين يسكن قلب أم حتى تفعل ذلك بفلذة كبدها؟ إنها أم موسى؛ التي واجهت ابتلاء لا تكاد تقوى عليه القلوب، حين كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل، فأصبح رضيعها مهددا بمصير لا تملك دفعه عنه. وفي أشد لحظات خوفها، جاءها وحي الله، حاملا إليها أمرا يفوق ما تعرفه العقول من أسباب النجاة.
قال تعالى:
﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾.
تأملوا هذا الموقف؛ أم تؤمر بأن تلقي وليدها في الماء، وتتركه لمجرى لا تعلم إلى أين يمضي به. أيُّ قلب يحتمل ذلك؟ وأيُّ أم تملك أن تدفع بفلذة كبدها إلى المجهول؟ لكنها لم تلقه استسلاما للفراق، بل امتثالا لأمر الله، مستندة إلى وعده الذي سبق خوفها: ﴿إنا رادوه إليك﴾.
مضى التابوت فوق الماء، وغاب رضيعها عن عينيها، لكن قلبها ظل معلقا به. ولم يكن التوكل لينزع عنها طبيعة الأمومة أو يمحو ألم الفراق؛ فقد وصف الله حالها بقوله:
﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين﴾.
اشتد بها القلق حتى كادت تكشف أمره، لولا أن ربط الله على قلبها وثبّتها؛ فلم تكن بمنأى عن الوجع، ولكن الله أعانها على احتمال ما لا يكاد يحتمله قلب أم فقدت أثر رضيعها.
وأمرت أخته أن تتبعه وتقص أثره، فكانت تراقبه من بعيد، حتى انتهى به المسير إلى قصر فرعون نفسه؛ القصر الذي كان أشد ما تخشاه عليه.
قال تعالى:
﴿وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون﴾.
وهناك التقطه آل فرعون، وجعل الله له في قلب امرأة فرعون مودة ورحمة، فقالت:
﴿وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون﴾.
وهكذا صار الرضيع في بيت عدوه، تحيط به العناية الإلهية، ويجري له من التدبير ما لا يعلمه أحد ممن حوله.
ثم شاء الله ألا يقبل موسى المراضع، حتى أعاد إليه أمه من حيث لا يشعرون، وجاءت أخته بالدلالة التي فتحت لها باب القصر، فقالت:
﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾.
فدلتهم على أمه، فرده الله إليها، بعد أن كان بعيدا عن عينيها، وصار في كنفها ورعايتها، وقد زال الخوف الذي أخرجته منه إلى اليم.
قال تعالى:
﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾.
ألقت وليدها في اليم امتثالا لأمر الله، فردّه إليها من قلب قصر فرعون؛ ذاك الذي خشيت أن يكون موضع هلاكه. فعادت تضم رضيعها وترضعه، وقد صار ما ظنته فراقا لا رجعة فيه طريقا إلى اجتماع لم تكن تعلم كيف يأتي.
هكذا كانت أم موسى؛ أمّا اجتمع في قلبها خوف الأمومة وقوة اليقين، فلما ضاقت بها الأسباب، امتثلت أمر ربها، ولما كاد الحزن يغلبها، ربط الله على قلبها، ثم أراها من تمام وعده ما تقر به عينها.
.
لم تكن جنتان عابرتان في أرض قاحلة، بل بستانان اجتمعت فيهما أسباب الخصب والرخاء؛ أعناب تتدلى عناقيدها، ونخيل يحيط بهما، وزرع يمتد بينهما، حتى غدا المكان عامرا بألوان النعمة ووفرة العطاء.
قال تعالى:
﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا﴾
كان كل شيء في الجنتين يوحي بسعة الرزق وتمام النعمة؛ ثمر لا ينقطع، ونهر يجري بين الأشجار، وأرض تجود بخيراتها. غير أن صاحب هذه النعمة لم ير فيها آية تستوجب الشكر، بل رأى فيها ما يغذي إعجابه بنفسه، حتى أنسته وفرة العطاء افتقاره إلى واهبه.
قال تعالى:
﴿وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا﴾
لم يقف غروره عند حدود ما يملك، بل امتد إلى ما ظن أنه ينتظره في الآخرة؛ فاستبعد زوال جنته، وشك في قيام الساعة، ثم ظن أن له عند الله منزلة تضمن له في الآخرة خيرا من جنته. وكأن وفرة الدنيا عنده شهادة باستحقاق المزيد، لا ابتلاء يستوجب الحمد والخشية.
وهنا وقف صاحبه المؤمن أمام هذا الغرور، لا يغريه بريق المال، ولا تستميله كثرة النفر، فرده إلى الحقيقة التي غابت عنه، وذكّره بأصل وجوده، وبالذي أنشأه من تراب ثم من نطفة، وسواه رجلا.
قال تعالى:
﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا﴾
لم يكن المؤمن ينظر إلى الجنتين كما ينظر صاحبه إليهما؛ فهذا يرى فيهما ملكا خالصا له، وذاك يرى فيهما نعمة من الله، لا تملكان بقاءهما، ولا تدومان إلا بمشيئته. وما بين النظرتين مسافة بعيدة؛ إحداهما يملؤها الاغترار، والأخرى يملؤها الإيمان بمعرفة المنعم.
ثم جاءت اللحظة التي انكشف فيها ضعف ما ظنه صاحبه ثابتا لا يزول؛ فذهبت الخضرة، وانقطع النماء، وتهدم ما كان يفاخر به، حتى لم يبق من ذلك البهاء إلا الحسرة.
قال تعالى:
﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا﴾
زالت الجنتان، وانقطع عنه ما كان يظنه باقيا، فلم يغن عنه ماله ولا نفعته كثرة من كان يعتز بهم. وهكذا انكشف له أن النعمة مهما عظمت لا تستقل ببقائها، وأن الملك لله وحده، يؤتي فضله من يشاء، ولا يدوم عطاء إلا بمشيئته.
.
الذين اعتدوا في السبت..
قد يجعل الله بين الإنسان وما يريد حدا،
فيمتحن طاعته فيما يحب، ويكشف صدق امتثاله
حين تتعارض رغبته مع أمره.
وليس أشد على النفس منن رزق تراه أمامها،
وتملك أسبابه، ثم تؤمر أن تكف يدها عنه.
وعلى شاطئ البحر، كان ذلك ابتلاء قوم
من بني إسرائيل، عُرفوا بالذين اعتدوا في السبت.
قال تعالى:
﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر
إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم
شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم
بما كانوا يفسقون﴾
كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت ظاهرة
على وجه الماء، وتغيب عنهم في سائر الأيام
على ذلك النحو.
رزق يرونه بأعينهم، وتشتهيه نفوسهم،
لكنهم أُمروا بترك صيده في ذلك اليوم.
وكان بوسعهم أن يمتثلوا، غير أن فريقا منهم
آثر ما تشتهيه نفسه على ما أمر الله به.
وتذكر كتب التفسير أنهم احتالوا على الصيد،
فنصبوا للحيتان المصائد يوم السبت،
ثم أخذوها بعده.
فلم يكتفوا بمخالفة النهي، بل سعوا إلى بلوغ
ما حُرّم عليهم بالحيلة، وكأن تغيير طريقة
الصيد يغيّر حكمه.
ولم يكن أهل القرية جميعا على موقف واحد؛
فمنهم من اعتدى، ومنهم من نهى عن السوء،
ومنهم من تساءل عن جدوى موعظة قوم
أصروا على مخالفتهم.
أما الناصحون، فكان لهم جواب اختصر
مقصدهم كله، كما أخبر الله عنهم:
﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾
لم يكن غرضهم أن يضمنوا استجابة القوم،
بل أن يؤدوا واجبهم في إنكار المنكر،
وأن يظل باب التوبة مفتوحا أمام من
قد توقظه كلمة صادقة.
ثم جاءت العاقبة، ففصل الله بين مواقف
أهل القرية، فقال تعالى:
﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون
عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس
بما كانوا يفسقون﴾
نجّى الله الذين كانوا ينهون عن السوء،
وأخذ الذين ظلموا بعذاب شديد،
ثم جاء الحكم الذي ختم به مشهد اعتدائهم.
قال تعالى:
﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم
كونوا قردة خاسئين﴾
هكذا انتهت قصة قوم رأوا الحيتان تقترب
منهم في اليوم الذي نُهوا عن الصيد فيه،
فلم يحملهم وضوح الابتلاء على الطاعة،
بل حملهم الإصرار على تجاوز حدود الله.
ولم تنفعهم الحيلة فيما أرادوا استباحته،
فكانت عاقبتهم عبرة لمن يأتي بعدهم.
فليس الرزق فيما تمتد إليه الأيدي فحسب،
بل فيما أذن الله به وباركه؛ فما قيمة مكسب
يُنال بمخالفة أمره، وما خير في رزق
يطلبه المرء بالحيلة على حدوده؟
لقد كان في وسعهم أن يصبروا على ما أحل الله،
لكنهم آثروا ما اشتهته نفوسهم على ما أمرهم به.
وهنا موضع العبرة: أن الرزق لا يبيح تجاوز
حدود الله، وأن الطاعة تقتضي أن نطلب
ما نريد من الحلال، وأن نترك ما حرم الله،
وإن مالت إليه النفس ورأت فيه منفعة قريبة.
.
ثمة طغيان لا يكتفي بإخضاع الأجساد، بل يريد أن يبلغ سلطانه أعماق القلوب، فينتزع منها ما تؤمن به، ويطفئ فيها ما لا تستطيع يده الوصول إليه.
ومن هذا الباب تكشف سورة البروج مشهدا من أشد مشاهد الاضطهاد قسوة؛ مؤمنون لم يكن لهم من جرم سوى إيمانهم بالله، وقوم بلغ بهم العتو أن جعلوا النار وسيلة لفتنتهم عن دينهم.
يضعنا القرآن أمام المشهد مباشرة؛ أخدود أضرمت فيه النار، ووقود يزيدها اشتعالا، وقوم جلسوا حولها يشهدون ما يُفعل بالمؤمنين، قال تعالى:
﴿قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾
لم يكن أصحاب الأخدود بعيدين عن مشهد العذاب؛ كانوا حاضرين، ينظرون إلى ما يجري، وكأن قسوة المشهد لم تحرك فيهم رحمة، وكأن إيمان أولئك المؤمنين قد استحال في أعينهم جريمة تستحق الحريق.
ثم يكشف القرآن أصل تلك الجريمة، في كلمات تختصر القضية كلها، وتضع الحقيقة في موضعها الذي لا يلتبس، قال تعالى:
﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد﴾
لم يذكر الله للمؤمنين جرما سوى إيمانهم به؛ فكانت هذه الكلمات شهادة ببراءتهم، وفضحا لما انطوى عليه فعل معذبيهم. وأما الله، الذي له ملك السماوات والأرض، فلم يغب عنه ما صنعوا، ولا ما احتمله المؤمنون من أذى.
ثم تتجاوز الآيات حدود الأخدود، وتكشف عاقبة من جعلوا الفتنة بالدين سبيلا لهم، قال تعالى:
﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾
وفي مقابل هذا الوعيد، يفتح القرآن للمؤمنين باب الوعد، فينقل النظر من النار إلى النعيم، ومن مشهد الاضطهاد إلى مآل أهل الإيمان، قال تعالى:
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير﴾
يا لها من مسافة بين مشهدين؛ نار أعدها الظالمون للمؤمنين، وجنات وعدهم الله بها. وبينهما ينكشف ما عجزت النار عن تغييره: إيمان لم يملك الطغيان أن ينتزعه، ووعد من الله لا يضيع.
ويبقى مشهد الأخدود في سورة البروج شاهدا على جريمة أراد أصحابها أن يطفئوا بها نور الإيمان، فإذا بالقرآن يحفظ خبرها، ويكشف حقيقتها، ويجعل خاتمة الآيات وعدا يعلو على كل ما أراده الظالمون:
﴿ذلك الفوز الكبير﴾
.
قرية أطبق عليها الخراب،
فسقطت سقوفها، وانحنت عروشها،
وغابت عنها معالم الحياة،
حتى غدت أطلالا بعد عمران.
في ذلك المشهد الموحش،
مر بها رجل، فرأى ما آلت إليه،
وتأمل كيف صار العمران أنقاضا،
والحياة سكونا بعد أن كانت تدب فيها.
وفي القرآن، خلّد الله تساؤله
الذي انبعث من تأمل الخراب،
فقال تعالى:
﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾
لم يكن السؤال نهاية المشهد،
بل كان بداية آية عظيمة؛
فأراه الله من قدرته ما يشهد
به على إمكان البعث بعد الموت.
قال تعالى:
﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه
قال كم لبثت قال لبثت يوما
أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام﴾
مائة عام انطوت،
وتعاقبت خلالها أجيال،
وتبدلت أحوال الدنيا،
والرجل لا يظن أنه غاب
إلا يوما أو بعض يوم.
ثم دعاه الله إلى النظر
فيما معه، ليشهد آيات القدرة
في مشهد تتجلى فيه الحكمة.
قال تعالى:
﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾
طعام وشراب لم يتغيرا،
على امتداد قرن كامل،
ثم جاءه الأمر أن ينظر إلى حماره،
وأن يتأمل سر البعث في العظام.
قال تعالى:
﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها
ثم نكسوها لحما﴾
لم يعد المشهد سؤالا عن قرية
طواها الخراب، بل آية تتجلى
فيها قدرة الله؛ فالذي يحيي العظام
بعد تفرقها، لا يعجزه بعث الموتى.
ومع انكشاف الآيات أمامه،
انتقل الرجل من التساؤل
إلى اليقين بقدرة الله.
قال تعالى:
﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله
على كل شيء قدير﴾
من بين أنقاض القرية،
سطعت حقيقة البعث،
ومضت مائة عام لا تغير
من قدرة الله شيئا.
فالزمن يطوي العمران،
والموت يدرك الأجساد،
والبلى يفرق العظام،
لكن قدرة الله لا يعجزها شيء.
فهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده،
وهو على كل شيء قدير.
.
قال تعالى:
﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا
لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات
فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾
تصوروا هذا المشهد؛ فرعون يأمر،
وهامان يتلقى الأمر، وصرح يراد له
أن يبلغ أسباب السماوات، في مواجهة
دعوة جاء بها موسى عليه السلام بالبينات.
هنا يبرز هامان في قلب المشهد،
لا بوصفه حاكما ينازع فرعون سلطانه،
بل رجلا استدعاه الملك لتنفيذ أمر
أراد به أن يتصدى لدعوة الله بما أوتي
من سلطان الأرض، كأنما تستطيع قوة البشر
أن تقف في وجه الحق الذي جاء من عند الله.
لم يكن فرعون يجهل ما جاء به موسى
من الآيات، ولكنه واجهها بالاستكبار،
وأراد أن يحول دعوته إلى موضع سخرية،
فأمر هامان ببناء الصرح، وقال:
لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات،
فأطلع إلى إله موسى، ثم أردف ذلك
باتهامه بالكذب.
وكأنما أراد أن يجعل من البناء جوابا
عن الوحي، ومن ضخامة ما يأمر بتشييده
ستارا على عجزه عن دحض الحجة.
وما أشد المفارقة في هذا المشهد؛
نبي يدعو إلى خالق السماوات والأرض،
وطاغية يتوهم أن بلوغ أسباب السماء
قد يكون سبيلا إلى الاطلاع على إله موسى.
لقد استعلى فرعون بملكه، واستعان
بمن حوله في تدبير ما أراد، حتى صار
السلطان عنده وسيلة للمكابرة،
لا بابا لمعرفة الحق.
ولم يرد ذكر هامان في هذا الموضع وحده،
بل جمعه القرآن بفرعون وقارون
في سياق الاستكبار، فقال تعالى:
﴿وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم
موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض
وما كانوا سابقين﴾
تأملوا قوله تعالى:
﴿فاستكبروا في الأرض﴾
فقد جاءتهم البينات، وقامت عليهم الحجة،
لكنهم آثروا الاستعلاء على الإذعان.
وهنا تتجلى خطورة المكانة حين تنفصل
عن الحق؛ إذ قد يصبح ما يملكه الإنسان
من نفوذ وسلطان عونا على التمادي
في الباطل، بدلا من أن يكون سببا في ردعه.
ثم تأتي الكلمة التي تختصر مآل
ذلك الاستكبار كله:
﴿وما كانوا سابقين﴾
فمهما امتدت أسباب القوة، ومهما أحكم
أصحاب السلطان تدبيرهم، فلن يخرجوا
عن قدرة الله، ولن يسبقوا ما قضاه.
لا البناء الشامخ يرد أمره،
ولا الجند يمنعون نفاذ حكمه،
ولا المكانة ترفع صاحبها فوق الحساب.
ويكشف القرآن عن عاقبة ما كان يخشاه
فرعون، فيقول تعالى:
﴿ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون
وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾
كان فرعون يخشى أن يذهب موسى بسلطانه،
وأن تتبدل الحال التي استعلى بها
على بني إسرائيل؛ فجاء تدبير الله
على خلاف ما أراد، ومكن لبني إسرائيل
في الأرض، وأرى فرعون وهامان
وجنودهما ما كانوا يحذرون.
وهكذا تتصل مشاهد القصة؛
أمر يصدره فرعون إلى هامان،
وصرح يراد به مواجهة دعوة موسى،
واستكبار يجمعهم في سياق واحد،
ثم عاقبة تكشف أن تدبير البشر،
مهما بلغ من القوة، لا يخرج عن تدبير الله.
فالعبرة ليست بما يناله المرء من مكانة،
بل بما يقف به من موقف حين يُدعى إلى الحق؛
فكم من ذي سلطان أعان على الباطل،
وظن أن قربه من القوة يغنيه
عن عاقبة ما صنع.
.
قال تعالى:
﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا
فانسلخ منها فأتبعه الشيطان
فكان من الغاوين﴾
أيُّ انقلابٍ هذا الذي ينقل المرء
من موضع الهداية إلى مهاوي الغواية؟
وأيُّ خسارةٍ أفدح من أن يؤتى الإنسان
من أسباب الرفعة ما يفتح له أبوابها،
ثم ينصرف عنها، كأنما يخلع عن نفسه
ما كان جديرا بأن يزكيها ويرفع قدرها؟
لم يأت التعبير القرآني عابرا حين قال:
﴿فانسلخ منها﴾
ففي هذه الكلمة مشهد يجاوز مجرد الإعراض،
ويكشف فداحة المفارقة.
آياتٌ آتاه الله إياها، ثم انسلخ منها،
ومضى حتى أتبعه الشيطان،
فكان من الغاوين.
هكذا انقلب المسار؛ من أسباب الهداية
إلى دروب الضلال، ومن موضع كان
يمكن أن يرفعه إلى منزلة اختار
أن يهبط عنها.
ثم تأتي الآية التالية كأنها تكشف
للقارئ ما كان وراء ذلك المصير:
﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض
واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه
يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين
كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾
﴿ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه﴾
هنا ينكشف أصل البلاء؛ لم تكن الآيات
عاجزة عن رفعه، وإنما آثر هوى نفسه،
وركن إلى الأرض.
وما أشد التناقض بين ما يؤتاه الإنسان
وما ينتهي إليه باختياره؛ فقد يحمل المرء
من أسباب الرفعة ما لو أخذ به لارتقى،
ثم يهبط به هواه إلى حيث لا تنفعه
تلك الأسباب.
ويضرب الله له مثلا بليغا،
ثم يجاوز بالآيات حال ذلك الرجل
إلى حال كل من كذب بآيات الله،
فلا تبقى العبرة محصورة في شخص،
بل تمتد إلى كل نفس تتلقى الهدى
ثم تعرض عنه.
ويمضي السياق إلى مشهد أشد رهبة،
يكشف كيف تبلغ الغفلة بالإنسان
أن تبقى له أدوات الإدراك،
ويغيب عنه الانتفاع بها:
﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها
ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام
بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾
قلوب لا تفقه، وأعين لا تبصر،
وآذان لا تسمع؛ ليست العلة في فقدان
الحواس، بل في أن تظل مغلقة عما
خُلقت لتدركه.
يرى المرء الآيات، ويسمع الموعظة،
ويعرف من الحق ما يعرف، ثم لا يحجزه
ذلك عن الغفلة، ولا يصرفه عن اتباع الهوى.
وفي هذا النبأ تحذير لا يخص زمنا
دون زمن؛ فالإنسان لا ينجو بمجرد
ما يحمله من معرفة، ولا يرتفع بما أوتي
من علم إن أعرض عن مقتضاه.
وقد تكون بداية السقوط بعد بلوغ
أسباب النجاة، حين يترك المرء ما كان
يهديه، ويستبدل به ما تشتهيه نفسه.
فأيُّ خسارةٍ أعظم من أن يؤتى الإنسان
ما يرفعه، ثم يكون إعراضه عنه
هو الذي يضعه؟
.
قال تعالى:
﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾
في دار فرعون، حيث علا صوت الطغيان
وخضعت الرقاب لهيبة الملك وسلطانه،
عاش رجل آمن بالله، يكتم إيمانه بين قومه،
حتى جاء يوم لم يعد فيه الصمت يسعه.
أراد فرعون قتل موسى عليه السلام،
فنهض الرجل مدافعا عنه بالحجة والبيان،
وسجل القرآن أولى كلماته في ذلك الموقف:
﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله
وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾
لم يكن يملك جيشا يردعهم عن بطشهم،
ولا سلطانا يقف به في وجه سلطانهم،
إنما واجههم بالحجة، وذكّرهم بأن قتل
رجل جاءهم بالبينات ليس من العدل.
ثم ساق إليهم حجته من تاريخ الأمم،
وذكّرهم بمصائر من سبقهم من المكذبين،
وجاء في القرآن من تحذيره لقومه:
﴿ويا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾
ثم سمّى لهم أقواما أهلكهم الله من قبل،
ليعتبروا بما حل بمن كذبوا واستكبروا:
﴿مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود
والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد﴾
لم يكن تحذيره شماتة بمن يخالفونه،
بل كان يخشى عليهم عاقبة ما يصنعون،
ويرى أنهم يمضون إلى الهلاك غافلين،
حتى جاء في خطابه لهم هذا النداء:
﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة
وتدعونني إلى النار﴾
رجل يدعوهم إلى النجاة وهم يعادونه،
ويخشى عليهم النار وهم يدعونه إليها،
فلم تحمله مخالفتهم على ترك نصحهم،
ولم تمنعه خشية بطشهم من قول الحق.
ثم بلغ خطابه غايته، فقال كما حكى الله:
﴿فستذكرون ما أقول لكم
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾
فوّض أمره إلى الله بعد أن أدى ما عليه،
وأسند إليه ما عجز عن دفعه من مكرهم،
فالله يعلم خفايا الصدور وأعمال العباد،
ولا يخفى عليه ظلم الظالمين ولا مكرهم.
ثم أخبر الله عن عاقبته ومصير قومه:
﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا
وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾
وقاه الله مكرهم، وأحاط بهم سوء العذاب،
فانقلب المشهد على خلاف ما أراد الطغيان؛
لم تنفع فرعون قوته، ولم يحمِه سلطانه،
وكانت العاقبة بأمر الله وتدبيره.
﴿إن الله بصير بالعباد﴾
.
قال تعالى:
﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا﴾
سبعون رجلا اختارهم موسى عليه السلام من قومه، ومضى بهم إلى ميقات ربه. وما كان أشد المفارقة بين مقام ساقهم إليه نبيهم، وبين ما طلبوه عنده؛ إذ قالوا إنهم لن يؤمنوا له حتى يروا الله جهرة، فجاءهم من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون.
قال تعالى:
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون﴾
وأمام هذا البلاء، لم يكن لموسى عليه السلام إلا أن يرفع أمره إلى الله. قوم جاء بهم، ثم صاروا إلى ما صاروا إليه، وموقف لا يملك له ردا ولا يجد له مخرجا إلا عند ربه. فوقف يناجيه، لا يجادل في قضائه، ولا يغلق باب الرجاء دون قومه، بل يسأله المغفرة والرحمة.
قال تعالى:
﴿قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾
ما أقرب العبد إلى حقيقة نفسه حين تنقطع عنه الأسباب؛ لا جاه ينفع، ولا قوة تدفع، ولا ملجأ من الله إلا إليه. هناك يتجرد القلب من دعوى القدرة، ويعرف أن أمره كله بيد ربه. وموسى عليه السلام، في ذلك المقام، يرد الأمر إلى الله، ثم يمد رجاءه إلى المغفرة والرحمة، فلا يجعل خطأ قومه آخر ما يرجى لهم.
ثم يسأل ربه حسنة الدنيا والآخرة، ويعلن رجوعه إليه؛ فالعبد لا يطلب النجاة من البلاء وحدها، وإنما يطلب أن يصلح الله له ما بقي من أمره، وأن يجعل عاقبته إلى خير.
قال تعالى:
﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك﴾
فيأتي الجواب بما يفتح للقلب باب الرجاء، ويضعه أمام حقيقة لا ينبغي أن تغيب عنه: رحمة الله واسعة، لكنها ليست ذريعة للغفلة، وإنما يفوز بنصيبها من اتقى وآمن بآيات الله.
قال تعالى:
﴿قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾
ولعل المرء لا يحتاج في لحظات ضعفه إلى أكثر من أن يعرف الطريق إلى ربه؛ أن يعود إذا أخطأ، ويستغفر إذا أذنب، وألا يحمل ذنبه على اليأس، ولا يحمل رجاءه على التمادي. فكم بين قلب أغلق على نفسه أبواب التوبة، وقلب أقر بتقصيره ثم رفع يديه يرجو عفو الله.
ومن دعاء موسى عليه السلام نتعلم أن أعظم ما يلوذ به العبد حين تضيق به نفسه هو أن يطرق باب المغفرة، راجيا رحمة من لا يعجزه أن يغفر ويرحم.
﴿فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾
.
قال تعالى:
﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾
في قصص القرآن مشاهد تختصر أحوال البشر
وتكشف ما تخفيه المظاهر عن حقائق الأمور
ومن بينها لقاء طالوت وجالوت، حين وقفت
قلة مؤمنة أمام جيش كثير عظيم القوة
ولا يعلم ما تخبئه العاقبة إلا الله
اعترض بنو إسرائيل على ملك طالوت
ثم مضوا معه حتى بلغوا النهر، فكان الابتلاء
فاصلا بين من يثبت على الأمر ومن يتراجع
ولم يبق معه إلا قليل، مضوا نحو المواجهة
حتى تراءى الجمعان ووقف كل فريق أمام الآخر
في مشهد تتضاءل فيه آمال الضعفاء
حين تقاس بما يرونه من قوة عدوهم
لكن الذين آمنوا لم يجعلوا قلة عددهم
خاتمة للأمر، ولم يكن لهم حين اشتد اللقاء
إلا أن يلجؤوا إلى الله ويسألوه النصر
وأن يفرغ عليهم صبرا ويثبت أقدامهم:
﴿ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا
وانصرنا على القوم الكافرين﴾
ثم جاءت العاقبة التي خلدها القرآن:
﴿فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت
وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾
مضى جالوت بجيشه، ومضت الفئة المؤمنة
بما كان في قلوبها من يقين، وانتهى اللقاء
على غير ما توحي به ظواهر القوة
فلم تكن كثرة العدد وحدها هي التي حسمت
المواجهة، ولا كان ظاهر القوة دليلا
على ما ستؤول إليه العاقبة في نهاية الأمر
وبقيت القصة شاهدة على أن للوقائع وجها
لا تكشفه الحسابات وحدها، وأن ما يبدو
راجحا في أعين الناس لا يحيط بما يأذن الله
أن يكون، فكم من قلة غلبت بإذن الله
وكم من أمر خفيت عاقبته حتى جاء أوانها
.
قال تعالى:
﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾
في هذه الآية صورة بليغة للغرور حين يبلغ بصاحبه أن يجادل في ربه؛ ملك آتاه الله أسباب السلطان، فبدلا من أن يعرف قدر النعمة، حمله الكبر على محاجة إبراهيم عليه السلام في ربه.
بدأ إبراهيم حجته بحقيقة تختصر أعظم معاني التوحيد: «ربي الذي يحيي ويميت». لكن الملك أجاب بقوله: «أنا أحيي وأميت»، مستندا إلى ما يملكه من سلطان على الناس، فجاء إبراهيم عليه السلام بحجة تقطع كل جدال.
فقال: «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب». وضع أمامه أمرا يراه الناس كل يوم، ولا يملك أحد منهم تغييره؛ فالشمس تجري بأمر الله، لا يردها سلطان ملك ولا إرادة متجبر.
عندها انقطعت حجته، وجاء التعبير القرآني موجزا حاسما: «فبهت الذي كفر».
لم يجد الملك جوابا يدفع به الحجة، فظهر عجزه أمام حقيقة لا يملك لها ردا. وهكذا انكشف عجزه حين واجهه الحق، مهما أحاط نفسه بأسباب القوة والسلطان.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يملك كثيرا، بل أن ينسى من وهبه ما يملك. فالملك لا يجعل صاحبه فوق الحساب، والمال لا يمنحه الخلود، والقوة لا تعصمه من الضعف. وما بين يديه ليس دليلا على عظمته، بل نعمة يسأل عنها.
كم من إنسان أغرته مكانته فاستعلى على الناس، وظن أن إخضاع الضعفاء دليل قوته، ناسيا أن الهيبة لا تصنع الحق، وأن القدرة على الظلم ليست عظمة، بل باب من أبواب الطغيان.
فالعظمة الحقيقية ليست في امتلاك رقاب الناس، بل في العدل حين تكون قادرا، والتواضع حين تتسع لك الدنيا، وضبط النفس حين تملك القوة.
وتضع هذه الآية كل صاحب سلطان أمام حقيقة لا تتبدل: مهما بلغت قوته، فلن يخرج عن سلطان الله، ومهما علا شأنه، فلن يخرج عن كونه عبدا لله.
فلا تغتر بما تملك، ولا تنس من وهبك ما تملك؛ فما أنت إلا عبد، وما السلطان إلا عارية، وما القوة إلا نعمة قد تتحول إلى حجة عليك.
ومن عرف عظمة خالقه، لم يتكبر على عباده.
.
قال تعالى:
﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾
في بيتين أشرقت فيهما أنوار النبوة،
عاشت امرأتان كان القرب من الوحي
فيهما فرصة للهداية،
ومجاورة رسولين كريمين
بابا إلى معرفة الحق.
لكن القرب من النور
لا يعني أن ضياءه قد استقر في القلب؛
فخالفتا ما جاء به زوجاهما
من الهدى، ومضت كل منهما
في طريق غير طريق الإيمان.
ومضت الأيام، ونوح ولوط
عليهما السلام يدعوان إلى الله،
يصبران على أذى أقوامهما،
ويحملان إليهم رسالة النجاة،
بينما كانت زوجتاهما على خلاف
ما يدعوان إليه.
وقد أوجز القرآن خيانتهما
وبسطها أهل التفسير؛
فكانت امرأة نوح تفشي أسرار المؤمنين،
وكانت امرأة لوط تعين قومها على أضيافه،
فلم تحفظا حرمة البيت،
ولا حق الرسالة.
يا لها من مفارقة؛
أن يكون أقرب الناس إلى رسول
من رسل الله أبعدهم عن الإيمان
برسالته، وأن يجتمع تحت سقف واحد
نبي يدعو إلى النجاة،
وامرأة لا تستجيب لدعوته.
فلم تكن حرمة الزوجية
لتجعل الإيمان لازما لها،
ولم يكن مقام النبوة
ليمنحها نجاة لا تؤمن بها
ولا تعمل لها.
ثم جاء الحكم الإلهي
الذي لا تدفعه قرابة،
ولا يغيره شرف الانتساب:
﴿فلم يغنيا عنهما من الله شيئا
وقيل ادخلا النار مع الداخلين﴾
انقطعت عند هذا الحكم
كل أوهام الاتكال،
فلم يغن النبيان عن زوجتيهما
من الله شيئا، ولم يحمل أحدهما
وزر الأخرى.
وبقيت كل نفس رهينة موقفها
من الحق، لا بما جاورها من الصلاح،
ولا بما اتصلت به من أسباب الشرف.
وهكذا يطوي المثل صفحة امرأتين
جاورتا النبوة ولم تؤمنا بها،
ويبقى شاهدا على أن عدل الله
لا يحابي أحدا، وأن لكل نفس حسابها،
مهما دنت منزلتها من أهل الصلاح.
.
قال تعالى:
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
ما عرف التاريخ رجلا تجلت في سيرته
عظمة الرسالة وكمال الخلق،
فبعثه الله في أمة غلب عليها الجهل،
ليحمل إليها نور الوحي،
ويدعوها إلى عبادة الله وحده،
ويخرج الله به من شاء من عباده
من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان.
كان عظيم القدر، متواضعا لا تطغيه مكانة،
قوي الحجة، لا يحتاج في إقامتها إلى ظلم،
رحيما بالضعفاء، رفيقا بمن حوله،
صادقا إذا تكلم، وفيا إذا عاهد،
صابرا حين يشتد البلاء،
وعافيا حين يقدر؛
فاجتمعت في سيرته خصال الخير،
وكانت أخلاقه شاهدا على عظمة الرسالة
التي جاء بها من عند الله.
أوذي فصبر، وحورب فثبت،
وأخرج من مكة، أحب البلاد إليه،
ثم عاد إليها فاتحا بعد أن مكنه الله منها؛
فلم يجعل النصر بابا للتشفي،
ولا القدرة سبيلا للانتقام،
بل ظهر عفوه في يوم الفتح،
حين غلبت الرحمة دواعي الثأر،
وسما الخلق فوق جراح الماضي.
ولم تكن عظمته في موقف عابر،
ولا في خصلة تنفرد عن سائر شمائله،
بل في سيرة شهدت له في الشدة والرخاء،
وفي الدعوة والجهاد،
وفي تعامله مع أهله وأصحابه،
وفي رحمته بالضعيف،
وعدله بين الناس،
وصبره على الأذى،
وثباته على الحق حتى أتاه اليقين.
أدى الأمانة، وبلغ الرسالة،
ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده،
حتى أكمل الله به الدين،
وأتم به النعمة على المؤمنين.
فصلى الله وسلم على سيدنا محمد،
ما تعاقب الليل والنهار،
وما ذكره الذاكرون،
وغفل عن ذكره الغافلون.
اللهم ارزقنا صدق اتباعه،
وحسن الاقتداء به،
واحشرنا في زمرته،
واسقنا من حوضه شربة
لا نظمأ بعدها أبدا.
.
في سورة الكهف، حيث تتجلى سنن الله
في عباده، وتنكشف أسرار من حكمته وتدبيره،
تأخذنا آياتها إلى قصة فتية
ضاقت بهم الأرض في رحاب قومهم،
فآثروا الإيمان على سلطان الباطل،
واختاروا ما عند الله على ما ألفوه من أسباب العيش،
فكان لهم مع القدر موعد لم يخطر لهم على بال.
حين يشتد سلطان الباطل، وتضيق الأرض بأهل الحق،
تنكشف معادن النفوس؛ فمنهم من يبيع يقينه
طلبا للسلامة، ومنهم من يؤثر رضوان الله
وإن أفضى به الطريق إلى المجهول.
غابوا عن أعين الناس،
لكنهم لم يغيبوا عن عناية الله.
وانطوت أعمارهم في سكون لم يكن للموت فيه سلطان،
حتى انقضت حقبة من الزمن لم يشعروا بامتدادها،
ثم عادوا إلى الحياة من حولهم،
فإذا العالم الذي عرفوه قد مضى،
وإذا بالأيام التي حسبوها قصيرة
قد حملت في طياتها سرا من أسرار القدرة الإلهية.
وما كانت قصتهم حدثا انطوى بانقضاء زمنه،
بل آية تجاوزت حدود عصرها؛
أقام الله بها الحجة على حقيقة البعث،
وأرى بها العباد أن مقاييسهم المحدودة
لا تحيط بتدبيره، وأن الزمن الذي يستطيل
في أعينهم لا يخرج عن قبضته،
وأن ما يبدو مستحيلا في حساب الخلق
لا يمتنع على خالقهم.
وفي ثنايا هذه القصة درس آخر،
يتصل بما يضمره الإنسان من آمال،
وما يعقده من عزائم؛ فالمستقبل غيب لا يملكه أحد،
والعزم مهما اشتد يظل رهنا بمشيئة الله.
وما أحوج الإنسان أن يمضي في أمره،
دون أن ينسى أن فوق تدبيره تدبيرا،
وفوق علمه علما،
وأن الأمر كله لله.
.
﴿ ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها
فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها
وكتبه وكانت من القانتين ﴾
صدق الله العظيم
لقد نشأت مريم بنت عمران في محراب نقي،
حفتها عناية الرحمن في كفالة نبي الله زكريا،
ويُساق إليها رزق ربها غدقا من حيث لا تحتسب؛
فتربت على محامد الطهر والعبادة،
وطابت سريرتها، وسمت روحها بمعارج
الإيمان والقنوت.
لقد كانت ممن اصطفاهن القدير،
فاجتمع لها شرف الطاعة الخالصة
وكرامة الاصطفاء الرباني،
حتى غدت من أعظم نساء العالمين قدرا،
وأطهرهن ذكرا في أفق الزمان.
ثم جاءها من وجائب القدر الإلهي
ما لم تألفه النفوس البشرية،
فحملت بالمسيح عليه السلام،
لتجد نفسها بين يدي ابتلاء تزلزل لدونه الرواسي،
وتواجه ما قد يثيره هذا الخرق للنواميس
في نفوس قومها من ريبة وإنكار.
وما أشد وقع التهمة على نفس عفيفة
لم تعرف إلا النقاء،
وما أقسى أن تحاط المرأة بظنون باطلة
تجافي حقيقتها المصونة!
بيد أن مريم مضت في لجة محنتها
مستمسكة بحبل التوكل على ربها،
فلم يفت في يقينها ما أحاط بها من كرب،
ولم يغير من صفو طهرها
ما تقاذفته الألسن من إفك.
لقد كانت مريم صديقة قانتة،
استوعب قلبها التصديق التام بكلمات ربها وكتبه،
وتمحضت له بالعبودية،
فرفع الله ذكرها في العالمين،
وجعلها مثلا مضروبا للمؤمنين.
وما كان هذا الاصطفاء حدثا عابرا
ينطوي في سجل التاريخ،
بل هو منزلة عليا أكرمها بها ربها،
وخلّد سيرتها في محكم تنزيله؛
لتظل شاهدا حيا على ما تبلغه النفس المؤمنة
من رفعة سنية حين تصدق في عبوديتها،
وتصبر على بلائها،
وتفوض مقاليد أمرها إلى بارئها.
إن اصطفاء مريم وخلود ذكرها في كتاب الله
لا يقف عند حدود التكريم لامرأة صالحة خلت،
بل هو منار هاد ودرس باق لكل امرأة
تتطلع إلى رضوان الله،
وتبتغي رفعة القدر وطهارة الذكر.
ففي سيرتها تتجلى العفة في أبهى مظاهرها،
كمبدأ راسخ لا يتزعزع،
ويتسامى الإيمان في ذروته
كيقين لا يخالطه ريب،
ويسفر الصبر في أقدس صوره
كامتحان تُمَحَّص فيه أوتاد الثبات.
لقد غدت مريم المثل الأعلى للمرأة المسلمة؛
تقتدي بها النساء في مسالك طهرها،
وتستلهم منها الفتيات عزة النفس وصون الكرامة،
ليدركن أن قيمة المرأة الحقة
لا تصوغها أعين البشر،
ولا تقررها أحكامهم القاصرة،
وإنما يُشاد بنيانها بصدقها مع ربها،
وثباتها على استقامتها،
وسمو أخلاقها.
وهكذا تظل سيرة البتول برهانا ساطعا
على أن أعظم حلية للمرأة طهرها،
وأن رفعة قدرها مشروطة بصدق إيمانها
وقربها من مولاها،
وأن ما يورثه اليقين والتقوى من ذكر حسن
هو الباقي على تقادم العصور،
والأعظم من كل ثناء زائل وزينة تفنى.
.
﴿وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين﴾
صدق الله العظيم
من هذا البيان الإلهي المحكم، تشرق في غياهب التاريخ ناصعة؛ امرأة صاغت من الصبر تاجا، ومن اليقين مجدا، واختصرت في ثباتها قصة النور في مواجهة الظلمة، فغدت علما يُهْتَدَى به في دروب السالكين.
لقد عاشت آسية بنت مزاحم في كنف عتو لم تشهد الأرض له نظيرا، في قصر شُيِّدَ على شفا حفرة من الكبرياء والادعاء الأجوف، حيث كان فرعون يملأ الآفاق بصيحة الضلال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾. بَيْدَ أن هذا الطغيان لم يجد إلى قلبها المُتْرَعِ باليقين سبيلا؛ فكانت في جواره جسدا يترفع، وروحا في ملكوت الحق تحلق، لتجسد بمآلها النوراني المعنى الأعمق لقوله تعالى:
﴿يخرج الحي من الميت﴾، إذ نبتت في بيئة الكفر نبتة طاهرة زكية تُسْقَى بماء التوحيد.
ولم يكن إيمانها خفقة عابرة، بل كان جهادا ومكابدة، وإيثارا للباقية على الفانية. فلما تجلى لها الهدى، خلعت زينة الدنيا وزخرف القصور، ولم يأخذها عن ربها ملك ولا جاه. وحين سَامَهَا فرعون سوء العذاب لتكفر، ثبتت ثبوت الرواسي الشم، شاخصة بقلبها نحو السماء، متجردة من كل مظهر دنيوي، لتنطق بكلمات خلدها الوحي، فصارت ديوانا للثبات ممتدا إلى قيام الساعة.
لقد ارتقت روحها إلى بارئها وهي تستقبل صخور العذاب بابتسامة الرضا؛ لأن حجب الغيب كُشِفَتْ لها، فرأت مقعدها من الجنة وهي تُعَذَّبُ، لتبرهن للعالمين أن قيد الأرض لا يملك أسر ضمير أُعْتِقَ بالإيمان، وأن الموت في سبيل الله ليس إلا ولادة جديدة في دار الكرامة والخلود.
.
حين يغيب الدليل، تُمتحن البصائر، وتنكشف حقائق النفوس التي قد تخفيها أيام الرخاء.
هكذا كانت غيبة كليم الله موسى عليه السلام عن قومه؛ ثلاثين ليلة أتمها الله بعشر، ميقاتا للوحي، وابتلاءً كشف كيف تنقلب القلوب بعد أن شهدت من آيات الله ما شهدت.
فما إن غاب عنهم موسى حتى استغل السامري غيبته، وأوقد في القوم فتنة كادت تعصف بما استقر في قلوبهم من الإيمان.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.
جمع السامري حليهم، وصاغ منها عجلا جسدا له خوار، فإذا ببعض القوم الذين نجوا من فرعون، وشهدوا البحر ينفلق أمام أعينهم، ينقادون إلى فتنة صنعوها بأيديهم، ويقولون:
﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
أي انقلاب هذا الذي يبدل فيه الإنسان هدى الوحي بوهم تصنعه يداه، وينسى آيات ربه القريبة ليعكف على عجل لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؟
لم يقف هارون عليه السلام صامتا أمام هذا الضلال، بل قام في قومه يحذرهم من الفتنة، ويدعوهم إلى التمسك بالحق، ويذكرهم بربهم الرحمن:
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.
لكن القوم أصروا على عكوفهم، وأعرضوا عن نصيحته، وربطوا رجوعهم عن باطلهم بعودة موسى، قائلين:
﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
وحين عاد موسى إلى قومه، وقد آتاه الله الألواح وفيها هدى ورحمة، رأى ما حل بهم من بعده، فاشتد غضبه، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، يسأله عن تقصيره في نظره.
فلم يكن هارون غافلا عما حدث، بل أوضح لموسى أنه خشي أن يؤدي تشديده عليهم إلى تفريق بني إسرائيل، وأنه انتظر عودته لئلا يتسع الخلاف بينهم.
قال هارون:
﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
ثم التفت موسى إلى صانع الفتنة، وسأله عن حقيقة أمره:
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾.
فكشف السامري عن حجته، وأقر بما صنع، ثم ختم كلامه بما يكشف حقيقة انحرافه:
﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
لم تكن حجته نجاة له من عاقبة ما صنع، ولم ينفعه ما زعم أنه أبصره؛ فقد اتبع ما سوّلت له نفسه، وأضل قوما استجابوا لفتنته.
فحكم موسى عليه السلام على العجل الذي افتتنوا به، وأعلن بطلان عبادته، ثم توعد السامري بعاقبته، وقال له:
﴿فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾.
ثم أقبل على العجل الذي اتخذه القوم إلها، فأقسم ليحرقنه، ثم لينسفنه في اليم نسفا، حتى لا يبقى من معبودهم المصنوع شيء يعكفون عليه.
وختم موسى دعوته بإعلان الحقيقة التي لا تتبدل، ولا يزيغ عنها إلا من ضل:
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
وهكذا انكشفت الفتنة، وسقط العجل الذي بهرهم خواره، وبقي الحق واضحا لا يحتاج إلى زينة تصنعها الأيدي، ولا إلى غياب نبي حتى يختبر ثبات القلوب.
إن العبرة من هذه القصة أن النجاة من فرعون لا تكفي إن لم تنجُ القلوب من الفتنة، وأن رؤية الآيات لا تعني رسوخ الإيمان ما لم يثبت في النفوس.
فكم من حق عرفه الإنسان ثم تركه، وكم من باطل زُيّن له حتى استمسك به!
والباطل مهما بهر الأبصار، فلن يصير حقا، ومهما اجتمع الناس حوله، فلن يمنحه اجتماعهم حقيقة؛ فالله وحده هو الإله الحق، وما سواه باطل يزول.
.
في أقاصي الأرض، تبدأ سيرة ملك طاف البلاد، وبلغ مغرب الشمس ومطلعها، وخلّد القرآن خبره في سورة الكهف، في سيرة تكشف كيف يكون التمكين حين يقترن بالعدل، وكيف يبقى الفضل لله مهما عظمت قوة الإنسان.
بدأت رحلته بأسباب التمكين التي آتاه الله إياها:
﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا﴾
فسار نحو مغرب الشمس، وهناك ظهر عدله في موقفه من قوم وجدهم عندها، فلم يُسَوِّ بين الظالم والمحسن:
﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا﴾
ثم واصل سيره نحو مطلع الشمس، حتى بلغ قوما لم يجعل الله لهم من دونها سترا:
﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا﴾
ومضى يتبع الأسباب، حتى بلغ بين السدين، حيث وجد قوما يشكون فساد يأجوج ومأجوج، ويلتمسون منه أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يحميهم من أذاهم:
﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾
لكن ذا القرنين لم يجعل حاجتهم بابا للتكسب، بل رد عليهم بما يكشف عن إدراكه لفضل الله عليه، وطلب منهم أن يعينوه بقوتهم:
﴿قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾
ثم طلب زبر الحديد، وأقام ردمه بين الجبلين، حتى إذا ساوى بين الصدفين، أوقد النار على الحديد، ثم أفرغ عليه النحاس المذاب، فارتفع بناء عجز يأجوج ومأجوج عن اعتلائه أو نقبه:
﴿آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا﴾
وبعد هذا الإنجاز العظيم، لم ينسب ذو القرنين الفضل إلى قوته أو قدرته، بل ردّه إلى الله، وأقر بأن ما أقامه من منعة وقوة لن يصمد أمام وعد الله حين يأتي أجله:
﴿قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾
وهنا تبلغ القصة معناها الأعمق؛ فليس المجد فيما تبلغه الأيدي من قوة، ولا فيما تتركه خلفها من آثار، بل فيما تصنعه تلك القوة في حياة الناس، وفيما يبقى من العدل بعد انقضاء السلطان. لقد بنى ذو القرنين رَدما عجز الآخرون عن نقبه، لكنه لم يجعل من صلابته سببا للغرور، ولم تحجبه عظمة ما أنجز عن حقيقة أن كل ما بين يديه إنما هو من فضل الله.
وهكذا يعلّمنا القرآن أن التمكين مهما اتسع يظل أمانة، وأن أعظم ما يبلغه الإنسان ليس أن يملك أسباب القوة فحسب، بل أن يحسن استخدامها، ثم يمضي دون أن ينسب الفضل إلى نفسه. فالأعمال العظيمة قد تبقى زمنا، ثم يأتي عليها ما كتب الله لها، أما العدل والإخلاص ومعرفة فضل الله، فهي المعاني التي تمنح العمل قيمته، وتكشف حقيقة صاحبه.
﴿هذا رحمة من ربي﴾
.
في قلب الثراء الفاحش، حيث تتلألأ الكنوز
وتشمخ القصور، عاش قارون الذي بلغ
من وفرة المال شأنا عظيما، حتى إن مفاتيح
خزائنه كانت تثقل جماعة من الرجال
أولي القوة. لكنه لم يرَ في ذلك فضلا
يستوجب الشكر، بل نسب ما أوتيه إلى
علمه، فغدا مثالا للغرور حين يستبد بالمرء الثراء.
كان قارون من قوم موسى، فبغى عليهم،
فنصحه قومه أن يجعل من غناه سبيلا
إلى الخير، وأن يبتغي بثروته ثواب الآخرة
دون أن ينسى نصيبه من الدنيا، فقالوا له:
﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس
نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك
ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين﴾
لكن قارون أعرض عن نصحهم، ونسب
ما أوتيه إلى نفسه، قائلا:
﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾
وغاب عنه أن أمما قبله كانت أشد منه
قوة وأكثر جمعا، فلم تغن عنها قوتها
وأموالها حين جاءها أمر الله.
وذات يوم، خرج قارون على قومه في زينته،
فاستوقفت مظاهر ثرائه أبصار الناس،
وتمنى بعضهم لو كان لهم مثل ما أوتي،
وقالوا:
﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم﴾
أما الذين أوتوا العلم، فلم تخدعهم تلك
المظاهر، بل ذكّروا قومهم بأن ثواب الله
خير لمن آمن وعمل صالحا، وأن هذا الثواب
لا يناله إلا الصابرون.
ثم جاء ما لم يخطر ببال الذين تمنوا
مكانه؛ خسف الله بقارون وبداره الأرض،
فلم يجد من ينصره من دون الله،
ولم يكن من الممتنعين من عذابه، قال تعالى:
﴿فخسفنا به وبداره الأرض فما كان من فئة
ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين﴾
وعندها تبدلت نظرة الذين تمنوا مكانه
بالأمس، وأدركوا أن الرزق يبسطه الله
لمن يشاء ويقدره، وأن كثرة المال
ليست دليلا على الفوز والنجاة، فقالوا:
﴿ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده
ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا
ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾
وهكذا انتهى قارون؛ ظن أن ما تكدس
عنده من أموال يمنحه القوة والمنعة،
فإذا بكنوزه لا تنفعه، وبداره التي ظنها
حصنا يحميه تصبح موضع هلاكه.
فما أكثر ما تبهرنا المظاهر،
حتى تأتي النهايات فتكشف حقيقتها.
.
ما كل الحروب تبدأ بصليل السيوف
في ميادين القتال؛ فبعضها يبدأ
في خفايا النفوس، حين يضيق القلب
بما ناله غيره، ويعجز عن تقبّل
فضل الله على سواه، فيتأجج الحسد
في الصدر حتى يطمس البصيرة،
ويقود صاحبه إلى البغي،
فتُستباح حرمة الأخوة تحت سلطان الهوى.
وفي قصة ابني آدم، يكشف القرآن
كيف قاد الحسد إلى سفك الدم،
وكيف انتهى الظلم بالخسران،
والندم بعد فوات الأوان.
بدأت المأساة بقربان تقبّله الله
من أحدهما ولم يتقبله من الآخر،
قال تعالى:
﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق
إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما
ولم يتقبل من الآخر﴾
كان الأولى أن تكون الحادثة
بابا لمراجعة النفس وإصلاح العمل،
لكن الحسد غلب صاحبه،
فبدلا من محاسبة نفسه،
توعّد أخاه بالقتل، فقال:
﴿قال لأقتلنك﴾
وفي المقابل، رد أخوه الأمر
إلى ميزان التقوى، مذكّرا بأن
القبول ليس بالمفاخرة ولا بالعدوان،
وإنما بالتقوى، قال تعالى:
﴿قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾
ثم أعلن موقفه من التهديد،
رافضا أن يجعل عدوان أخيه
مبررا لأن يمد يده إليه بالقتل،
ومحذّرا إياه من عاقبة الظلم،
فقال:
﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني
ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك
إني أخاف الله رب العالمين
إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك
فتكون من أصحاب النار
وذلك جزاء الظالمين﴾
لكن الموعظة لم تردعه،
وغلبت عليه نفسه،
فمضى في جريمته وقتل أخاه،
وكانت عاقبته الخسران،
كما قال تعالى:
﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه
فقتله فأصبح من الخاسرين﴾
وبعد أن وقع ما لا يمكن تداركه،
بعث الله غرابا يبحث في الأرض،
ليريه كيف يواري جسد أخيه،
فوقف عاجزا أمام ما لم يعرفه،
وأدرك فداحة ما فعل،
قال تعالى:
﴿فبعث الله غرابا يبحث في الأرض
ليريه كيف يواري سوأة أخيه
قال يا ويلتا أعجزت أن أكون
مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي
فأصبح من النادمين﴾
وهكذا تكشف القصة أن الحسد
قد يقود صاحبه إلى أبعد مما يتصور،
وأن التقوى تعصم النفس من البغي،
أما الندم، وإن جاء بعد فوات الأوان،
فلا يرد دما سُفك،
ولا يمحو جريمة وقعت.
