الإنسان انتباهٌ محض، وفي جانب كبير من وجوده هو ما يلتفت إليه وما يستقر عنده تركيزه.
الحب مثلاً استئثارٌ بانتباه المحبوب، والمعرفة جمع الهمة، والعمل توجيه للطاقة. وما من شأن ذي بال إلا والانتباه مادته وجوهره.
ومن هنا يذهلني كل مرة كثرة النصوص الآمرة بالذكر والحاثّة عليه. وتأسرني فكرة أنّها محاولة مستمرة لتوجيه الانتباه نحو الله. فالإنسان سريع الاستغراق فيما يستولي على انتباهه، ولا بدّ له من تذكير متكرر يعيد القلب إلى وجهته، ويحفظ صلته بربّه من أن تطمرها شواغل الحياة.
وفي المقابل فإن الإعراض والغفلة عن الذكر يُفقدان الإنسان بوصلته فيُترَك لنفسه وهواه، فيكون نسيان الله له وإعراضه عنه جزاءً وفاقاً من جنس عمله.
لو اندلعت حربٌ نووية -كما آمل- فأنا أعلم تماما كيف سأستثمر ساعاتي الأخيرة. لن أضيع وقتي في البكاء، بل سأقيم حفلة تصفية حسابات شاملة لا تبقي ولا تذر!
سأقول كل شيء دفعةً واحدة! سأوجّه للحكومة شتائم صريحة خالية من الاستعارات الأدبية، وسأجلس مع زوجات إخوتي لأبلّغهن برأيي الحقيقي فيهن دون ابتسامات صفراء. سأكتب رأيي بشعوب المنطقة بلا خوف من المصريين، وسألتفت نحو زميلتي لأخبرها أخيراً بأن رسمة حاجبيها كارثة بصرية، وسأعترف بعمري دون تطفيف ، ووزني دون تخفيف.
سأطلق أحكامي النمطية بدون خجل، ولن أستدرك بـ "أقصد البعض طبعاً"، بل سأعمّم وأنا أنظر في أعين الجميع بثبات. سأحدّق في عاملة المنزل كما تفعل بتحدٍّ صامت وبارد كأبطال أفلام الغرب الأمريكي قبل الرصاصة الأخيرة، وسأرسل بطاقات مصحات نفسية لكل من أرهقني بنرجسيته، لن أجامل أو أتلطف، ولن أمهّد بعبارة "مع احترامي الشديد"
ولن أعتذر ، وسأقول كل شيء دفعةً واحدة!
أحياناً وأنا أقرأ لكونديرا وفي ذروة انغماسي في عبقريته، يباغتني بكلمة بذيئة أو ممارسة فاضحة تتركني في حيرة من فجاجته!
كل هذه الفلسفة والعمق والذكاء، لِمَ تُفسدها بهذه الصور المقززة يا أستاذ !؟
لم أعثر على إجابة شافية لكنني -انتصارا لعبقريته- أقول لعلها إحدى حيله في تضليل القارئ، حتى لا يحصره في صورة الكاتب العميق، أو يتجرأ على تصنيفه في خانة الأديب المترفع!
أذكر أنني قرأت له جواباً قريبًا من هذا المعنى ربما في كتاب "بيت حافل بالمجانين".
وفي معنى يتقاطع مع فكرة كونديرا " عن حق الإنسان في ألّا يُحشر في الصورة التي كوّنها الآخر عنه". يقول نسيم طالب:
«أنت موجود وجودًا كاملًا إذا - وفقط إذا - كان حديثك أو كتاباتك غير قابل لإعادة التركيب بسهولة من مقتطفات مأخوذة من أحاديث أخرى».
ثمة نوع من الرعب في أن يختزلك الآخرون رغم كل ما تمثله من تنوع بشري مدهش و تعقيد نفسي معجِز. ويحبسوك في موقف أو طبقة أو فكرة، ثم يتعاملوا مع هذا الجزء المبتور كما لو أنه كله أنت! وهذه واحدة من حروب الإنسان الباردة وصراعاته اليومية.
فالاختزال فضلا عن كونه عجزاً مخزيا عن الرؤية والفهم هو وسيلة للسيطرة. فحين أضعك في خانة معينة أستريح من عناء فهمك، وأتوهم أنني أحطت بك، وكيف يمكن تجاوزك أو إيذاؤك.
وهذا هو الجزء المرعب في الاختزال أنه لا يكتفي بتشويه صورتك لدى الآخرين، بل ينتزع منك حقك في أن تكون أكثر مما رأوه منك.
ولا أدري إن كنت قد وُفقت في شرح كم هي مخيفة هذه الممارسة. وأقربها من عقليات أولئك الذين يعملون في السجون والمراكز الأمنية في الحكومات المستبدة.
وإن أخفيتم التعليقات فمن يخفي الاقتباسات؟
دولة الكويت تؤكد أن حماية حقوق الإنسان مسؤولية دولية مشتركة تتطلب احترام سيادة الدول والقانون الدولي وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بعيدًا عن الانتقائية وازدواجية المعايير
- في كلمة ألقتها ممثلة دولة الكويت السكرتير الثاني وفيقة الملا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال مناقشة البند المتعلق بتقرير مجلس حقوق الإنسان
ow.ly/xlxP5102ABH
#كونا #الكويت
ليت لي مثل جسارة الذين يكثّفون أفكارهم في سطر واحد ثقةً بالقارئ، ويدعون له لذّة اكتشاف ما وراء الكلمات. ثم يتركونه يمضي في حال سبيله.
في داخلي معلّمة تأبى التصديق أنّ ثمة من سيفهم الفكرة دون شرح مستفيض، ولغة مبسطة، وتلويح، وشقلبة في الهواء، ثم مطاردة القارئ وسؤاله. بربك هل فهمت؟ دز ذس ميك آني سنس ؟؟؟ مفيش حد هيمشي من هنا إلا بعد اختبار قدرات عقلية ولغوية.
تأملت طويلا - وطويلا هنا تعني لسنوات- هوس البعض بمن يصدهم وبذلهم قلوبهم لمن لا يريدها، فوجدت أن هذا التعلق ليس "برغم" هذا الرفض والصدود بل بسببه.
ففي دخيلة أنفسهم يقين خفيّ بأنهم لا يستحقون الحب. ولذا فإن الصادق الذي تنفذ بصيرته لحقيقتهم العارية هو من جفاهم وزهد فيهم. وهكذا يصير رضاه واعجابه هو الدليل الأوحد الموثوق. بينما يقابل حب الآخرين بالريبة والشك ويفسّر اعجابهم على أنه جهل وقصر نظر!
وهكذا يظل المسكين يحوم في فلك من يعرض عنه ارتقابا للحظة خلاص يبدّلُ فيها الجفاء حبا. أو شهادة خبير تسقط عيوبه وتبرئه أمام ذاته.



