Pinned Tweet
لم يكشف اعتصام المعلمين في ليبيا أزمة المرتبات وحدها، بل كشف خللاً أعمق في علاقة السلطة بالمواطن، وفي ترتيب الأولويات داخل دولة تبدو فيها حقوق الناس قابلة للتأجيل والمساومة إلى أجل غير معلوم، بينما يصعب الاقتراب من امتيازات المسؤولين ومصالحهم المالية والسياسية.
منذ ما يقارب الشهرين، تتعطل المدارس، ويتراكم الفاقد التعليمي، وتنتظر الأُسر الليبية عودة أبنائها إلى مقاعد الدراسة، في أزمة لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل. فليس من المعقول أن يمضي عام دراسي بأكمله مهددًا بالضياع، بينما تكتفي السلطات الحكومية والتشريعية بإطلاق التصريحات وتبادل المواقف السياسية، دون التوصل إلى حلول عملية تنهي الأزمة وتضمن حقوق المعلمين والطلاب معًا.
المعلم الذي أمضى سنوات في الفصول الدراسية، يواجه الاكتظاظ ونقص الإمكانات وتدهور البيئة التعليمية، يجد نفسه مضطرًا إلى المطالبة بحقوق مالية لا تتناسب مع حجم المسؤولية التي يحملها. راتب لم يعد قادرًا على مجاراة أسعار الغذاء والإيجار والعلاج واحتياجات الأسرة، في بلد أصبحت فيه القدرة على توفير الحد الأدنى من الحياة معركة يومية لشرائح واسعة من الموظفين.
لكن الأزمة لا تتوقف عند المعلمين؛ فهناك موظفون ينتظرون الإفراجات المالية، وآخرون ينتظرون التسويات والفروقات المستحقة، وقطاعات كاملة تعيش على وعود متكررة لا تتحول بالضرورة إلى حقوق تصل إلى أصحابها. وكأن المواطن مطالب بأن يواصل أداء واجباته كاملة، بينما يمكن للدولة أن تؤجل التزاماتها تجاهه كلما اقتضت حسابات المسؤولين ذلك.
الأكثر دلالة أن عضو مجلس النواب إسماعيل الشريف أكد، في تصريح لوكالة الأنباء الليبية يوم الثاني من نوفمبر، أن المجلس لن يمرر مشروع قانون جدول المرتبات الموحد بصيغته الحالية، بسبب افتقاره إلى الدراسات والتقييمات اللازمة، وعدم مراعاته الأوضاع المعيشية للأسرة الليبية، فضلًا عن عدم تحقيقه العدالة بين القطاعات الوظيفية المختلفة، وتعارض بعض أحكامه مع تشريعات نافذة، بينها قانون الضمان الاجتماعي رقم 13 لسنة 1980، وقانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010.
هذا التصريح يضيف بعدًا جديدًا إلى الأزمة؛ فإذا كان المشروع الذي يفترض أن ينهي اختلالات المرتبات لا يستند إلى دراسات كافية ولا يضمن الإنصاف، فكيف وصل إلى هذه المرحلة أصلًا؟ ومن المسؤول عن إعداد مشروع يمس مصادر دخل مئات الآلاف من الموظفين دون معالجة دقيقة للفوارق والحقوق المكتسبة والقدرة الشرائية؟
لكن ما يستدعي المساءلة أكثر من تعثر مشروع جدول المرتبات هو غياب تحرك سياسي وحكومي يتناسب مع خطورة ما يحدث. فمنذ ما يقارب الشهرين، لا تزال المدارس معطلة، فيما لم تستطع الحكومة ومجلس النواب تقديم تسوية واضحة تنهي الإضراب وتحمي حق الطلاب في التعليم. وإذا كان المشروع بصيغته الحالية غير عادل ويحتاج إلى مراجعة، فذلك لا يعفي السلطتين من مسؤولية إيجاد بديل، ولا يمنحهما مبررًا لترك الأزمة مفتوحة إلى أجل غير معلوم.
كان يفترض أن تتحول أزمة بهذا الحجم إلى أولوية وطنية تستدعي اجتماعًا عاجلًا بين الحكومة ومجلس النواب ونقابة المعلمين والجهات المعنية، للوصول إلى اتفاق معلن بجدول زمني محدد، يوضح الالتزامات المالية وآليات تنفيذها، ويضع ضمانات لعدم تكرار الأزمة. أما ترك المعلمين في مواجهة ظروفهم المعيشية، والطلاب في مواجهة عام دراسي مهدد بالضياع، فليس إدارةً للأزمة، بل نقل لكلفة الفشل السياسي والمؤسسي إلى المواطنين.
المشكلة أن مجلس النواب، الذي يعلن اليوم رفض تمرير المشروع، ليس خارج منظومة المسؤولية عن الأزمة. فالمؤسسة التشريعية جزء من سلطة يفترض أن تراقب الإنفاق العام، وتراجع السياسات المالية، وتضمن عدم تحول المرتبات إلى ملف مفتوح للمناورات والتجاذبات. ورفض مشروع غير عادل لا يعفيها من مسؤولية البحث عن بديل عادل، ولا يحوّل التصريحات السياسية إلى إنجاز ما لم تتبعها إجراءات واضحة ومواعيد ملزمة.
وفي قلب هذا المشهد، تتكشف مفارقة يصعب تجاهلها: تبدو السلطات أكثر حساسية تجاه كل ما يمكن أن يهدد بقاءها أو يضعف نفوذها، بينما تتعامل مع استحقاقات المواطن بمنطق المماطلة والتأجيل والتفاوض الطويل. ولو كانت الأموال المطلوبة مرتبطة بضرورة سياسية أو ضغط خارجي يهدد مصالح أصحاب القرار، فهل كانت ستظل هذه الملفات معلقة بالشهور والسنوات نفسها؟ إن المقارنة هنا لا تتعلق بجهة بعينها، بل بأولوية الإنفاق والاستجابة، وبالسؤال عن سبب اختلاف سرعة الدولة في حماية مصالح السلطة عن سرعتها في حماية حقوق الناس.
لا يحتاج المواطن إلى كثير من الشواهد ليدرك هذا التفاوت. فالمسؤولون يتنازعون على الشرعية والمناصب والميزانيات، وتستمر المؤسسات في إدارة امتيازاتها ومخصصاتها، بينما يُطلب من الموظف الصبر، ومن المعلم التضحية، ومن الأسرة تحمل الغلاء، ومن الطالب انتظار تسوية خلافات لا علاقة له بصناعتها.
والأخطر أن الإضراب، مهما كانت مشروعية دوافعه، يضع المعلمين أمام معضلة أخلاقية ومهنية قاسية. فهم يطالبون بحقوقهم، لكنهم يعرفون أن استمرار توقف الدراسة يحمّل الأطفال والأسر كلفة لا يملكون دفعها. غير أن اختزال الأزمة في مسؤولية المعلمين عن تعطيل التعليم يتيح للسلطات الهروب من أصل المشكلة؛ فالمعلم لم يصنع اختلال جدول المرتبات، ولم يحدد أولويات الإنفاق العام، ولم يكن مسؤولاً عن غياب الدراسات والتخطيط، كما لم يختر أن تصبح حقوقه موضوعاً للتجاذب السياسي.
لا يمكن مطالبة المعلم بالعودة إلى الفصل وكأن شيئاً لم يحدث، ولا يمكن في الوقت نفسه التعامل مع حق الطلاب في التعليم باعتباره ورقة ضغط يمكن أن تبقى معلقة. هذان حقان لا ينبغي أن يوضع أحدهما في مواجهة الآخر؛ مسؤولية الدولة أن تضمن أجرًا عادلاً للمعلم وتعليمًا منتظماً للطالب، لا أن تترك الطرفين يدفعان ثمن عجزها عن إدارة الملف.
إن ما يحدث يتجاوز خلافاً حول جدول مرتبات أو نسب علاوات؛ إنه اختبار لمعنى المسؤولية العامة في ليبيا. فالدولة التي لا تستطيع تسوية مستحقات موظفيها، ولا تضمن استقرار مدارسها، ولا تقدم مشروعًا منصفًا لمعالجة اختلال الأجور، مطالبةٌ أولاً بمراجعة الطريقة التي تدير بها المال العام، وبالكشف عن أولوياتها الحقيقية.
#دروج
يستذكر الصحفيون في ليبيا، في اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الثمن الباهظ للمعلومة، في ظل توسع الانتهاكات والاعتداءات التي تطالهم في كل أنحاء البلاد. وتُعد هذه التجاوزات قاسمًا مشتركًا تتوحد فيه سلطات الأمر الواقع رغم انقسامها الظاهري.
وتحل الذكرى، التي توافق الثاني من نوفمبر من كل عام، على صحفيي ليبيا في ظل تراجع حرية الصحافة والعمل الصحفي المستقل في البلاد؛ إذ لا يزال عشرات الصحفيين يقبعون في السجون، وآخرون قُتِلوا أو أُخفوا، بينما تغيب المساءلة وضمانات المحاكمة العادلة.
وتتضاعف معاناة الصحفيين في البلاد مع ضعف الآليات النقابية وتشتتها، إذ يفتقر العمل النقابي الإعلامي في ليبيا إلى جسم موحد ومستقل قادر على توفير مظلة حماية لمنتسبيه، حيث تتوزع الأجسام الحالية بين كيانات موازية وروابط جهوية تابعة لسلطات الأمر الواقع في شرق البلاد وغربها، مما أفقدها القدرة على الضغط الفعال أو تقديم الدعم القانوني والأمني للعاملين في هذا المجال، وتركهم دون غطاء مهني يدافع عن حريتهم.
ووفقًا لمؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، جاءت ليبيا في المرتبة 143 من بين 180 دولة شملها التقييم، ويرجع تدني مركزها بشكل مباشر إلى التهديدات والاعتداءات والاحتجازات التي يتعرض لها الصحفيون، إلى جانب القيود التشريعية وتجريم بعض أشكال النشر وضعف ضمانات حرية التعبير.
وطارد الرصاص كثيرًا من الصحفيين الليبيين خلال السنوات الماضية، وعلى رأسهم مفتاح أبوزيد الذي قُتل برصاص مجهولين في بنغازي في ذروة الانفلات الأمني عام 2014، وهو العام الأسوأ على صحفيي ليبيا وفق منظمة "هيومن رايتس ووتش". كما وُثق في فترات متفاوتة مقتل الصحفي بصحيفة "فسانيا" عبدالله بن نزهة في سبها، وصالح حفيانة الصحفي بوكالة "فساتو"، والصحفية بقناة "ليبيا الوطنية" نصيب كرفانة. وامتداداً لهذه البيئة الخطرة، سُجل مؤخراً الإخفاء القسري الذي تعرض له مصطفى الشيخ وشقيقه محمد في منطقة البركت جنوب غات، واختطاف الإعلامي حسن باكير في مصراتة قبل عدة أسابيع.
ولا يزال وضع الصحفيين في ليبيا غامضًا، فالتحسن الطفيف في الوضع الأمني خلال السنوات القليلة الماضية لم ينعكس على واقع عملهم؛ إذ ما زالوا هدفًا للانتهاكات والاعتقالات التعسفية في إطار سياسة تكميم الأفواه مع احتدام الصراع السياسي. وقد أنتج ذلك رقابة ذاتية تمنع الصحفي من التعبير خشية الاستهداف والتغييب، ودفعت عددًا منهم إلى مغادرة البلاد بحثًا عن بيئة أكثر أمانًا.
وفاقم غياب التشريعات الواضحة والفعالة هشاشة الوضع القانوني للصحفيين في ليبيا، كما أسهم قانون الجرائم الإلكترونية رقم 5 لسنة 2022 في توسيع نطاق الرقابة على المحتوى المنشور عبر الإنترنت، بنصوص جرى توسيع صياغتها لاستخدامها في ملاحقة الصحفيين والحد من حرية التعبير، ما عزز الرقابة الذاتية في بيئة تفتقر أصلًا إلى ضمانات الحماية والمساءلة.
#دروج
معمر القذافي، المولود سنة 1942، مات سنة 2011، هذه أول معلومة في الحكاية، وربما أهمها؛ ليس لأن القذافي مات، فهذا خبر قديم، وإنما لأنه -بطريقة ما- كان أول هؤلاء الذين قرر التاريخُ الليبي أن يضعهم في طريقنا.
في السنة نفسها 1942، وُلد الصادق الغرياني مفتي الديار الليبية بعد فبراير وإلى الآن، بعدهما بسنة -أي سنة 1943- وُلِدَ خليفة حفتر، ثم في 1944 وُلِدَ عقيلة صالح؛ وأخيرا في 1945 وُلِدَ علي الدبيبة؛ خمس شخصيات، وأربع سنوات، وبلد واحد.
ربما لم تكن هذه السنوات سيئة الحظ على الليبيين فقط، فالعالم كله كان مشغولًا بالحرب العالمية الثانية، التي ابتدأت قبل أن يولد أولى هذه الشخصيات بثلاث سنوات فقط، وانتهت بالقنبلتين الذريتين في ذات العام الذي وُلِد فيه آخر الشخصيات.
كانت الجيوش خلال الحرب العالمية تتقاتل في الصحراء الليبية، وإيطاليا تفقد مستعمراتها، والخرائط تُرسم من جديد، وليبيا تستعد بعد سنوات قليلة لأن تصبح دولة مستقلة. وفي خضم كل هذا، كان هناك أطفال يولدون، أطفال أبرياء طبعًا، لا ذنب لهم في شيء، وهذه نقطة مهمة جدًا!
الطفل الذي ولد سنة 1942 لم يكن يعرف أنه سيصبح بعد سبعة وعشرين عامًا عقيدًا، ولم يكن يعرف من وُلد في ذات العام أيضًا أنه سيصبح مفتيًا ولكن بعد سبعين عامًا، كلهم كانوا أطفالًا فقط، ثم كبروا؛ وهنا بدأت المشاكل.
القذافي أخذ طريقه مبكرًا، فدخل الجيش، ثم دخل التاريخ الليبي، حتى خرج منه في 2011 بالطريقة التي نعرفها، أما الصادق الغرياني، المولود في السنة نفسها، فقد اختار طريقًا آخر: الشريعة والفتوى، حتى أصبح لاحقًا أحد أكثر رجال الدين تأثيرًا في ليبيا.
حفتر، المولود سنة 1943، دخل الجيش أيضًا، ثم عاش من التاريخ الليبي ما يكفي لأن يكون مرة مع القذافي، ومرة ضده، ثم يعود بعد 2011 ليصبح أحد أقوى رجال الشرق. ثم جاء عقيلة، المولود سنة 1944، من باب القضاء، وانتهى به الأمر رئيسًا لمجلس النواب، إلى أن انتهت مؤخرًا مهمته التي كللها بشرعنة الحرب الأهلية، ثم بإزاحته بطريقة لبقة على الرغم من كل ما قدّم لمن أزاحوه.
أما آخر الخمسة علي الدبيبة، المولود سنة 1945، فهو أغربهم مسارًا، فقد بدأ مساره مدرسًا لمادة الجغرافيا، ثم دخل باب النفوذ من نافذة الإدارة والمشروعات والمال، ثم جاءت العائلة بعده لتظهر في قلب السلطة من جديد.
لاحظوا الترتيب الجميل: الجيش، الدين، الجيش، القضاء، المال؛ يبدو أن ليبيا كانت توزع الوظائف مبكرًا. لكن القصة تصبح أجمل بعد 2011، فالقذافي مات، أما الآخرون فلم يموتوا، وهذه -في رأيي- واحدة من أكثر نكات التاريخ الليبي قسوة.
سقط الرجل الذي حكم البلاد 42 سنة، وإن كان في طور إعداد أبنائه ليتسلّموا مقاليد الحكم الجماهيري بعده، الحكم الجماهيري القائم على النظرية العالمية الثالثة، التي مفادها حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق المؤتمرات الشعبية. الحاصل، يبدو لي أن القذافي قد اكتشف عدم نجاعة نظريته، فقرر قبل 2011 توريثها لابنه تحت شعار ليبيا الغد، تمامًا كما ينص التوريث في النظام الملكي الذي ثار عليه في 1969، في حين أن بعض الذين وُلدوا في عصره ظلوا معنا حتى اليوم، وكل واحد منهم يحمل معه جزءًا من ذلك العصر، والأطرف أن الأمر لم يتوقف عند هؤلاء الأشخاص فقط أيضا!
فعلي الدبيبة لم يكتفِ بأن يعيش طويلًا؛ ترك وراءه ثروة ونفوذًا وعلاقات، ثم جاء عبد الحميد الدبيبة -صهره وابن عمه- إلى رئاسة الحكومة، وحفتر أيضًا لم يكتفِ بأن يصبح رجلًا قويًا؛ تحولت العائلة نفسها تدريجيًا إلى جزء من معادلة القوة في الشرق، حتى تسرب قبل بضع أيام تنازله عن قيادة الجيش لابنه، وربما تنتقل العدوى أيضا لدار الإفتاء فيورثها المفتي لابنه الذي يلازمه كظلّه، في سابقة ستكون الأولى من نوعها في التاريخ لو صدقت نبوءتي. إلا أن عقيلة كان هو الشاذ عن القاعدة، فلم يورث أحد أولاده التسعة عشر -حسب زعمه- حتى في وظائف الرقابة والديوان!
وهكذا، وبعد كل ما حدث منذ 2011، يمكن اختصار المشهد الليبي بطريقة شديدة البساطة: في الغرب عائلة لديها المال والسياسة، وفي الشرق عائلة لديها الجيش والسياسة. أما الدولة، فبينهما تحاول أن تثبت أنها موجودة، وهذا في حد ذاته إنجاز. ولكن أحيانًا أفكر: هل كانت السنوات 1942، 1943، 1944 و1945 سيئة الحظ فعلًا؟
ربّما لا، ربما كانت سنوات عادية جدًا؛ من جهة كانت الحرب مشتعلة، والاستعمار ينهار شيئًا فشيئًا، والعالم يعيد ترتيب نفسه. ومن جهة، كانت ليبيا، مثلها مثل بقية العالم، تلد أطفالًا فحسب! لكن يبدو أن بعض الأطفال قرروا، حين كبروا، ألا يكتفوا بأن يكونوا جزءًا من التاريخ، بل أن يكونوا التاريخ نفسه.
وهنا يأتي السؤال الذي لا أملك له جوابًا: ماذا لو أن واحدًا منهم لم يولد؟ لا أعرف ماذا كان سيحدث؛ ربما كانت ليبيا أفضل، وربما أسوأ، وربما كان سيأتي شخص آخر ويقوم بالدور نفسه، لأن المشكلة في النهاية ليست في هؤلاء الذين ولدوا في تلك السنوات؛ المشكلة أننا، بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نبحث عن الأشخاص بدل أن نبني المؤسسة.
لكن يبدو أن الشيء الوحيد الذي لم يولد في تلك السنوات، ولا في السنوات التي بعدها، هو الدولة التي لا تحتاج إلى كل هؤلاء لكي تعرف إلى أين تذهب. وليس لي بعد كل هذا إلا أن أتمنى أن يرزقنا الله بسنوات سعيدة الحظ، تولد فيها البلاد، وإن كان على هيئة أطفال يكبرون فيكتبون التاريخ الذي نتمنى أن نعيشه، أو على الأقل يعيشه أحفادنا! إلا لو قدر الله لنا أن نعيش حياتنا مع من تبقى من السلالة الشريفة لأولئك المولولدين في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي.
يدفع نحو مليوني طالب في مؤسسات التعليم العام ثمنًا باهظًا لتأخر بداية العام الدراسي، بسبب إصرار الكوادر التعليمية على استمرار الإضراب حتى تلبية المطالب كافة من جهة، والتعنت الحكومي في الاستجابة لهذه الاستحقاقات من جهة أخرى، رغم مرور نحو شهرين من الموعد الذي أقرته وزارة التربية والتعليم لبدء العام الدراسي، ورغم تعهدات حكومية وبرلمانية بالنظر في المطالب والمباشرة في تلبية بعضها.
ويستمر الجدل حول العدالة الاجتماعية في ظل ضغوط يمارسها المعلمون والكوادر الطبية والتي تتزامن مع مصاعب اقتصادية هيكلية أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم، لاسيما مع غياب التطبيق العادل للمستحقات، وعجز الموظفين الذين يتقاضون مرتبات متواضعة لا تتجاوز 2000 دينار عن مجاراة تكاليف المعيشة.
وتتمحور العقدة الأساسية للأزمة حول آلية تطبيق الجدول الموحد للمرتبات، الذي تراه الجهات النقابية بصيغته الحالية مفتقرًا للدراسات الوافية التي تراعي القوة الشرائية الفعلية للمواطن. فبينما تسعى السلطات لاعتماده كحل تشريعي شامل، تعترض نقابات المعلمين على محدودية "علاوات التمييز" والنسب المقترحة التي تنتقص من الحقوق المالية المكتسبة الخاصة بقطاع التعليم، معتبرين أن الجدول لا يحقق الإنصاف المنشود أو العدالة الاجتماعية بين القطاعات الوظيفية المختلفة بالدولة.
وحتى الآن، تتمسك نقابة المعلمين بموقفها الرافض لبدء العام الدراسي في ظل عدم وجود ضمانات حكومية ملموسة، كما لم يتم التوصل إلى توافق حول المقترح الذي تقدّم به اتحاد الطلبة يوم 29 أكتوبر الفائت ودعا فيه إلى استئناف جزئي للدراسة بواقع 3 أو 4 مواد يوميًا فقط، للموازنة بين مطالبات تحسين الأجور وحق الطلبة في التعليم.
ويقصر الإضراب على مؤسسات التعليم العام دون الخاص مما يخلق فجوة شاسعة بين الطلبة في المؤسسات العامة والخاصة، وهي فجوة تستمر في التوسع بسبب التعامل السلبي والتسويف الحكومي الذي أدى في نهاية المطاف إلى الإضرار بسير العملية التعليمية وتهديد مستقبل نحو 1.96 مليون طالب.
#دروج
وجهُ رجل شاحب يتكرر في ثلاثين رسمًا، لا يتغير فيه الكثير سوى الألوان المحيطة به. لا نعرف عمر صاحبه، ولا إن كنا نرى الشخص ذاته في كل مرة أم أشخاصًا مختلفين؛ بهذه الصور يفتح الفنان البريطاني ديفيد أوستن بابًا على سؤال يشغل الروائي هشام مطر: ماذا يحدث للحياة التي لم نعشها حين نغادر مكانًا إلى آخر؟
السؤال جمعهما في مشروع حمل اسم: "في مكانٍ آخر" ‘Elsewhere’، والذي قُدم في معرض فني أقيم في لندن أواخر أكتوبر، وصدر بالتزامن معه كتاب يجمع نصوصًا لهشام مطر وثلاثين عملًا فنيا لأوستن، في تعاون تضيف فيه كل من الرسوم والحكايات المكتوبة طبقات أخرى من الغموض والاحتمالات.
محور العمل قصة "أحذية جديدة" لمطر والتي نشرتها مجلة "ذا نيويوركر"؛ بطلُها شاب يغادر القاهرة في الثامنة عشر، وفي سفره، يتنقل لأربع سنوات بين مدن إيطالية وفرنسية، ثم يستقر في لندن، وبعد ثماني سنوات من التنقل والكفاح، يصبح صاحب ثلاثة متاجر صغيرة ويرسل المال بانتظام إلى عائلته، وتبدو حياته وقد نجحت واتخذ أخيرًا مسارًا مهنيًا واضحًا، إلى أن يبدأ شقيقه في إخباره بأن معارف في القاهرة قد رأوه هناك، بينما كان هو في لندن.
ينقل مطر السؤال من فكرة اللغز: كيف يمكن أن يُشاهَد في القاهرة بينما يعيش هو في لندن؟ إلى تجسيد لاحتمال آخر تمامًا: ماذا لو كان الشخص قد بقي بالفعل، وواصل حياة كان يمكن أن تكون حياته، عندها تتداخل الهجرة مع الذاكرة وتصبح العلاقة بالمكان الذي تركناه علاقة بما كان ممكنًا، لا بما حدث بالفعل في حياتنا.
أما أوستن، فيضع الوجه ذاته أمام خلفياتٍ متغيرة، من دون تحديد أحداث أو أمكنة بعينها. وتتردد بين اللوحات فكرة القرين المعروفة في الأساطير والأدب، لكن من دون إجابة قاطعة عن الأصل والنسخة.
واستحضر مطر أيضًا صورًا افتراضية من سيرته: هشام الذي بقي في طرابلس، أو واصل حياته في القاهرة، أو اختار طريقا ثالثًا. هكذا يقترح "في مكانٍ آخر" أن الغربة ليست فقط الابتعاد عن الوطن، بل ملاحقة النسخ الممكنة من أنفسنا، والأشخاص الذين كان بوسعنا أن نكونهم في ظروف مختلفة.
أثار افتتاح مقهى مخصص للنساء في مدينة أجدابيا نقاشًا حول الفضاءات الخاصة بالمرأة، وهو جدل يضعنا أمام قراءة استفهامات بديهية لطبيعة المجال العام في ليبيا. فالرجل الليبي -حقيقة- لم يلتق المرأة الليبية بعد، لأن تلك التي التقاها ويظن بمعرفتها، هي مسخٌ من خلق هواجسه، وليست وجدانًا حرًا ومستقلًا تراكم عبر الزمن. ومن الناحية المبدئية، قد يبدو التفكير في عزل الجنسين وتشييد مساحات مغلقة لكل طرف بمثابة مؤشر على حالة من الاعتلال في الوعي الاجتماعي، وصعوبة في التأسيس لعلاقة طبيعية وصحية قائمة على الشراكة والتعايش المشترك في فضاء واحد؛ إذ الأصل في المجتمعات السليمة هو الاحترام المتبادل والحقوق المحفوظة دون الحاجة لجدران عازلة. ومع ذلك، فإن إسقاط هذه النظرة المثالية على الواقع الليبي الراهن دون مراعاة لسلطة الهيمنة العُرفية وتأثيرها يغفل حقائق واضحة على الأرض.
فكرة المقاهي النسائية، رغم ما قد تحمله من دلالات على تأخر مسألة الاندماج الطبيعي والفصل بين الجنسين، تمثل في الوقت ذاته استجابة واقعية وعملية للمرحلة الانتقالية والمتفاقمة في آن -إن جاز التعبير- التي يمر بها المجتمع. ففي ظل مناخ اجتماعي محمل بالقيود والوصاية، يغدو الفضاء المعزول هو الوسيلة الوحيدة والمتاحة حاليًا لنساء بعض المناطق البعيدة عن مراكز المدن الكبرى لممارسة حقها في الحركة، والترفيه، والنشاط الاقتصادي دون التصادم المباشر مع المنظومة التقليدية، في واقع يشبه التسوية الضرورية التي يفرضها واقع متأخر في آليات التقبل، لتكون بمثابة جسر عبور يمهد الطريق نحو تحولات أعمق.
ويصل هذا الارتباك الاجتماعي إلى ذروة التناقض حين نرى أن المشروع، ورغم تبنيه الصارم لآليات الفصل من حظر دخول الرجال وتوفير طاقم نسائي كامل والالتزام التام بالخصوصية؛ لم يسلم من السخط والتوجس الإلكتروني والمجتمعي، ليقودنا هذا الارتباك الجماعي من مشروع تجاري بسيط إلى تساؤل أعمق وأكثر تشريحًا لبنية الوعي السائد: لماذا تثير المرأة كل هذا الارتباك؟ وما الذي يخيف المنظومة التقليدية من حضورها المستقل؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تكمن في الخوف "على" المرأة، كما يُشاع في الخطاب التحريضي الذي حاول تغليف الرفض "بالوصاية الاستباقية"، التي تحذر من أن منح المرأة مساحة خاصة اليوم سيعقبه "شعر مطلوق" غدًا، بل في الخوف "من" دلالات وجودها وتمثّلها في أي صورة مستقلة مهما بدت ضئيلة؛ فالفهم التقليدي لا يرى في المرأة سوى رمز كلاسيكي للاستكانة والتبعية المطلقة. وبالتالي، فإن خروجها إلى الفضاء العام، حتى وإن كان معزولًا كالمقهى النسائي، يُقرأ سيكولوجيًا كخطوة نحو الحضور الاقتصادي والاجتماعي المستقل، وهو ما يهدد بإنهاء سلطة التحكم والوصاية التي تفرضها عقلية السيطرة التقليدية.
ولا ينحصر هذا الارتباك في سياق الدفاع عن موازين الحضور والقوة السائدة فحسب، بل يمتد ليعبر عن تركيبة معقدة من المكبوتات النفسية و"الجنسنة المفرطة" للمجال العام. ففي المجتمعات المأزومة بهوس الفضيلة الاستعراضية والتحوط المفرط، التي تفتقر إلى الفهم السوي للعلاقات الإنسانية، يُختزل حضور المرأة، مهما كان متحفظًا أو معزولًا، في بُعد غريزي وضيق. هذا الاختزال يولد هوسًا رقابيًا مستمرًا، يعكس في حقيقته إسقاطًا للمخاوف والعقد الداخلية الذاتية على أي نشاط نسائي مستقل؛ فالمنظومة هنا لا تحارب واقعًا ملموسًا، بل تواجه هواجسها وصورتها الذهنية القاصرة عن الجنس الآخر.. الجنس الآخر الذي لا يعرف عنه شيئًا حقًا.
لذلك، يعتبر المقهى النسائي في جوهره استجابة مبتورة لواقع اجتماعي معقد يعج بالقيود والرقابة؛ لكنه يظل الخيار الوحيد المتاح وضمن حدود المستطاع والمقدور عليه لمنح النساء مساحة آمنة للتواصل والعمل، في تسوية قسرية ومؤقتة تفرضها سلطة الهيمنة العُرفية، في انتظار أن يشفى الوعي الجمعي ويتجاوز رُهاب المرأة.
#دروج
دعت منظمة "لجنة العدالة" السلطات الليبية إلى إصلاح التشريعات الخاصة بالأطفال وإقرار قانون شامل لحماية حقوقهم، عقب مناقشة التقرير الأول لليبيا أمام اللجنة الأفريقية للخبراء المعنية بحقوق ورفاه الطفل، خلال دورتها العادية الـ48 المنعقدة في ماسيرو عاصمة ليسوتو.
وفي هذا السياق، سلطت المنظمة غير الحكومية -التي تتخذ من جنيف مقرًا لها- الضوء على كواليس المناقشات، مؤكدة أنها كشفت عن تشتت كبير في التشريعات المنظمة لحقوق الطفل واختلاف تعريفه القانوني بين التشريعات الحالية؛ إذ يعتبر قانون حماية الطفولة رقم 5 لسنة 1997 الطفلَ مَن لم يبلغ 16 عامًا، خلافًا للمعايير الأفريقية والدولية التي تشمل كل من لم يتم 18 عامًا، في حين لا يزال مشروع قانون حماية الطفولة الجديد حبرًا على ورق دون اعتماد، وفق ما عُرض خلال المراجعة.
ولم يتوقف الأمر عند الجانب التشريعي، بل أثارت المنظمة تساؤلات حول غياب ميزانية وطنية موحدة تتيح تتبع الإنفاق المخصص للأطفال، وعدم اكتمال قاعدة البيانات الوطنية الخاصة بأوضاعهم، لافتة إلى حجم التحديات التي تعصف بالأطفال المتأثرين بالنزاعات والنزوح والكوارث، والأطفال المهاجرين واللاجئين، خصوصًا في ما يتعلق بحقوقهم الأساسية في التعليم، والصحة، والهوية القانونية، والحماية من العنف والاستغلال والاحتجاز التعسفي.
وتأتي هذه التحركات الحقوقية مدفوعةً بمؤشرات رقمية خطيرة وثقتها الأمم المتحدة رسميًا في تقريرها السنوي الصادر في يونيو 2026، والذي يغطي عام 2025 بالكامل؛ حيث تحققت البعثة الأممية من وقوع 1,140 انتهاكًا جسيمًا طالت 56 طفلًا في ليبيا، وانقسمت هذه الجرائم بين مقتل وإصابة 39 طفلًا نتيجة انفجار الألغام والمخلفات الحربية في المناطق السكنية، والتجنيد القسري لـ 17 فتى من قبل جماعات مسلحة وجهات أمنية، والاحتجاز التعسفي لـ 33 طفلًا بذريعة ارتباطهم المزعوم بتلك الجماعات، فضلًا عن رصد 1,084 واقعة حرمان ومنع من إيصال المساعدات الإنسانية للأطفال.
ولا تلاحق الانتهاكات الأطفال في ليبيا بسبب النزاعات المسلحة فقط، بل تمتد إلى البيئة الاجتماعية والأسرية؛ إذ كشفت التقارير الرسمية لمنظمة اليونيسف المحدثة لعامي 2025 و2026، عن أرقام مقلقة تشير إلى أن 78% من الأطفال في ليبيا يتعرضون لأساليب تأديبية عنيفة، تشمل العنف الجسدي واللفظي في المنازل والمدارس، بالتزامن مع تحذيرات المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب في تقريرها الصادر في ديسمبر 2024 من تفاقم أزمة خفية تتمثل في تسجيل أكثر من 1,000 عقد زواج لقاصرات دون سن 18 عامًا، نتيجة التجاوزات القضائية وغياب الرقابة الصارمة، مما يعرض الطفلات لمخاطر صحية واجتماعية جسيمة تشكل انتهاكًا صارخًا لحقوقهن الأساسية.
من هنا، شددت المنظمة على أن وجود نصوص ومؤسسات قانونية يبقى بلا قيمة حقيقية ما لم يُترجم تطبيقه على أرض الواقع عبر بيانات قابلة للتحقق ورقابة مستقلة، محددةً حزمة من الأولويات العاجلة التي تشمل تحديث التشريعات، وتوحيد تعريف الطفل دون سن 18 عامًا، وتخصيص ميزانية واضحة ومستقلة، واستكمال قاعدة البيانات الوطنية.
وفي ختام بيانها، أطلقت المنظمة نداءً بوضع خطة تنفيذ واضحة تتضمن جداول زمنية ومؤشرات قابلة للقياس وآليات للمساءلة، مؤكدة أن نجاح هذه المراجعة يقاس حصرًا بتحويل التعهدات الشفهية إلى قوانين وسياسات ممولة، ونتائج ملموسة تضمن حماية الأطفال في مختلف أنحاء ليبيا دون أي تمييز.
#دروج
تحتفل اليونيسكو باليوم العالمي للتراث السمعي والبصري، الذي يصادف 27 أكتوبر من كل عام، بهدف التوعية بأهمية حفظ التسجيلات الصوتية والأفلام والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية والتاريخية للشعوب.
ويواجه التراث السمعي والبصري الليبي تحديات كبيرة، في ظل غياب التدابير المعنية بالحفاظ على الوثائق والمواد السمعية والبصرية، وحمايتها من القرصنة أو الاندثار؛ خاصة مع اتساع نطاق وسائل التواصل الاجتماعي وتسهيل الوصول غير القانوني للمحتوى.
ويتنوع هذا التراث في الحالة الليبية ليشمل الموروث الثقافي الأدبي والفني، والموروث التاريخي المتمثل في الوثائق والمواد المتعلقة بتاريخ الدولة ونضالات أفرادها؛ وتتوزع مسؤولية حمايته وتوثيقه تاريخيًا وإعلاميًا بين المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية المسؤول عن الأرشيف الوطني، والمؤسسة الوطنية للإعلام المعنية بأرشيف المواد الإذاعية والمرئية، إلى جانب وزارة الثقافة والتنمية المعرفية.
وقد فتحت قرصنة التراث الليبي الباب أمام محاولات لنسبِ أغانٍ وموسيقى تراثية ليبية إلى مجتمعات أخرى، وسط غياب نظام أرشفة وطني يحمي الملكية الفكرية، ويمنع الخلط الذي يتكئ على التشابه والتشابك الثقافي في المنطقة.
وتمتلك ليبيا رصيدًا من المواد الإذاعية والمرئية التي وثقت لحظات تاريخية ومفصلية منذ تأسيس الإذاعة الليبية في 15 يوليو 1957، إلا أن هذا الموروث واجه تحديات وجودية إبان حالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد، والتي تحولت فيها المؤسسات إلى هدف للفوضى والإتلاف.
وتفتقر البلاد اليوم إلى رؤية شاملة وموحدة لحماية موروثها الثقافي، في ظل غياب مشروع وطني للأرشفة الإلكترونية، خاصة فيما يتعلق بالتسجيلات المسموعة والمرئية للمجاهدين الليبيين، والوثائق المرتبطة بمراحل حساسة من التاريخ الوطني.
ومع التطور التكنولوجي الهائل والمتسارع، برزت مخاطر رقمية بالغة الخطورة ترتبط بالذكاء الاصطناعي؛ ففي الوقت الذي تتيح فيه هذه التقنيات ترميم الأرشيف القديم، باتت تُستغل كأداة متطورة للسطو والتحريف عبر التزييف العميق، ما يجعل غياب البصمة الرقمية الوطنية بابًا لتزوير التسجيلات التاريخية للمجاهدين والشخصيات الوطنية، أو التلاعب بالوثائق المفصلية ونسب معلومات مغلوطة إليها، وهو ما ينقل قضية الأرشفة المحمية ليضعها مباشرة في قلب معادلة السلم المجتمعي والأمن القومي الليبي.
ورغم هذه التحديات، تظهر المفارقة التشريعية في تعامل الدولة مع تراثها، فبينما أسبغ القانون رقم 3 لسنة 1995 بشأن حماية الآثار والمتاحف والمدن القديمة حماية جنائية وعقوبات لحماية الموروثات التي يتجاوز عمرها مائة عام، فإن التراث السمعي والبصري المعاصر ما زال يواجه تشتتًا وقصورًا في التعامل مع متطلبات حفظه؛ حيث وفر القانون رقم 9 لسنة 1968 لحماية حق المؤلف حماية تقليدية للمصنفات الفنية والإذاعية والتلفزيونية لكنها تفتقر للردع الرقمي.
ولاحقًا، عُززت هذه المنظومة بصدور القانون رقم 24 لسنة 2012 بشأن المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، المعني بالأرشيف الوطني ليمد مظلة الحماية للتسجيلات والمخرجات السمعية والبصرية التاريخية المودعة بمركز المحفوظات، لكنه يقف عاجزًا أمام المحتوى الرقمي لأنه يحمي الوعاء المادي المودع داخل المركز فقط، بينما تظل المشكلة الحقيقية في وقتنا الحالي هي قرصنة المحتوى الرقمي المرفوع على الفضاء السيبراني ومنصات التواصل الاجتماعي.
وأمام هذا الواقع، يتضح أن مشكلتنا لا تكمن في انعدام النصوص، بل في شيخوختها وفراغها الرقمي وتشتت الاختصاصات بين المؤسسات. إذ تقف هذه التشريعات عاجزة بفجوتها الزمنية عن حماية الإرث السمعي والبصري في بيئة سيبرانية معقدة، مما يترك الذاكرة الوطنية والفنية مكشوفة أمام معارك القرصنة الحديثة والسطو الإلكتروني العابر للحدود.
#دروج
دروج Drooj retweeted
Replying to @droojplatform
انتشر الفكر السلفي المتخلف في ليبيا بفرعيه الجهادي والمدخلي، وخاصة نظرته للمرأة، كالطاعون.
لا أحد يحشر أنفه في شؤون النساء أكثر من أصحاب هذا الفكر.
وأثّروا حتى على غير المتدينين، فهم وراء شيوع لفظ "ديوث"، فبات حتى "الصايع" يظن أن الاعتراض على حرية المرأة واستقلالها ذكورية ورجولة!
"لم يكن افتتاح مقهى مخصص للنساء في إجدابيا مجرد افتتاح مشروع تجاري جديد. سرعان ما تجاوز النقاش حدود المكان إلى ما يجوز للمرأة أن تفعله، وأين يمكنها أن تجلس، وما إذا كان اجتماع النساء في مساحة مستقلة أمرًا عاديًا أم مدعاة للقلق. هكذا أصبح المقهى، في جانب من الجدل المثار حوله، موضوعًا للحكم الأخلاقي قبل أن يكون مشروعًا تُناقش طبيعته أو خدماته أو مدى التزامه بالقانون.
تكشف هذه الواقعة عن مشكلة تتجاوز المقهى نفسه: امتلاك بعض الفاعلين الاجتماعيين شعورًا بأن لهم حقًا في مراقبة خيارات النساء وتحديد المقبول منها، حتى في غياب دليل على وقوع ضرر. لا يتعلق الأمر هنا بمنع النقد أو مصادرة حق الناس في التعبير عن قناعاتهم، بل بالحد الفاصل بين أن يختار الإنسان ما يناسبه، وأن يحوّل اختياره إلى معيار ملزم للآخرين."
"وتزداد أهمية هذا الفحص عند النظر إلى طريقة تعامل المجتمع مع الانتهاكات التي تستهدف الفئات الأضعف. فقد أثيرت في إجدابيا قضايا تتعلق باستغلال أطفال وقاصرات، وتداولت منصات التواصل معلومات عن وقائع مؤلمة، من بينها ما قيل عن استغلال طفلة لم تبلغ الحادية عشرة من عمرها. ولا يجوز الجزم بتفاصيل هذه الوقائع أو بناء اتهامات عليها من دون تحقق مستقل، لكن القضايا المتعلقة بسلامة الأطفال تستحق معالجة جادة تستند إلى الأدلة، وتحمي الضحايا، وتضمن المساءلة.
لا يصح الادعاء بأن المجتمع تجاهل هذه القضايا كلها، أو أن حجم التفاعل معها كان أقل بالضرورة من التفاعل مع المقهى، ما لم تدعم ذلك مقارنة موثقة. غير أن هذه القضايا تفتح مجالًا ضروريًا لمراجعة أولويات الخطاب الأخلاقي: هل تُوجَّه الرقابة الاجتماعية إلى الأفعال التي تنتهك حقوق الآخرين، أم تمتد بسهولة أكبر إلى خيارات النساء التي لا يثبت أنها ألحقت ضررًا بأحد؟ وما الذي يجعل بعض القضايا قابلة للتحول إلى سجال عام، بينما تحتاج قضايا الحماية والمساءلة إلى جهد أطول حتى تحظى بالاهتمام الكافي؟
هذه ليست مقارنة بين عدد التعليقات على واقعتين، بل بين معيارين مختلفين للحكم. الأول ينطلق من حقوق الإنسان ووجود ضرر يمكن إثباته ومحاسبة المسؤول عنه. والثاني ينطلق من القلق إزاء سلوك يختلف عن المألوف، ثم يتعامل مع هذا القلق كما لو كان دليلًا كافيًا على وجود مشكلة. وإذا لم يُفصل بين المعيارين، أمكن تحويل كل اختلاف اجتماعي إلى تهمة، في الوقت الذي تصبح فيه مواجهة الانتهاكات الفعلية أكثر تعقيدًا بسبب النفوذ والمصالح والخوف من الفضيحة.
ولا تقتصر هذه المفارقة على إجدابيا. فصور الوصاية الاجتماعية على النساء موجودة في مدن ليبية مختلفة، وإن اختلفت مظاهرها ودرجاتها واللغة التي تُبرَّر بها. لذلك فإن تحويل النقاش إلى مواجهة بين الشرق والغرب لا يساعد على فهم المشكلة، بل يتيح لكل طرف إدانة الآخر والتغاضي عن الممارسات الموجودة في محيطه. ليست هناك منطقة تحتكر المحافظة أو الانفتاح، كما لا توجد مدينة بمنأى عن التناقض بين القيم المعلنة وطريقة تطبيقها.
ما يستحق النقد، إذن، ليس مجتمعًا بعينه ولا رابطة اجتماعية في حد ذاتها، بل منطق يمنح الجماعة حقًا واسعًا في تقرير ما ينبغي للفرد أن يفعله. ويتطلب نقد هذا المنطق التمييز بين التضامن والوصاية، وبين احترام العادات وإخضاع الأفراد لها، وبين حق الإنسان في التمسك بقيمه وادعائه أن له سلطة فرضها على الآخرين."
لقراءة المقال كاملًا: drooj.com.ly/%d8%a3%d9%82%d9…
أعلنت البعثة الأممية توصل مشرعين ليبيين وخبراء قانونيين ونشطاء حقوقيين إلى مسودة نهائية لقانون يهدف إلى منح منظمات المجتمع المدني حماية قانونية أكبر، بما يمكّنها من العمل بصورة مستقلة وفعالة.
وأكدت البعثة أن الوصول إلى هذه المسودة جاء بعد نقاشات مكثفة انتهت إلى صياغة نهائية، وتحديد مسار ملموس لطرحها أمام مجلس النواب، وذلك بعد مراجعة دقيقة لكل مادة من مواد القانون بتنظيم من قسم حقوق الإنسان في البعثة.
ورغم أن الإعلان الدستوري الصادر عام 2011 أقر ضمانات تتعلق بالحقوق والحريات وضرورة التزام التشريعات العادية بها، إلا أن القانون رقم 19 لسنة 2001 بشأن إعادة تنظيم الجمعيات الأهلية ظل المعيار الناظم لعمل المؤسسات والجمعيات رغم القيود الواردة فيه.
وقد أثار منشور مجلس الوزراء رقم 7 لسنة 2023، الذي سمح باستمرار عمل المنظمات المحلية والأجنبية غير الحكومية مؤقتًا، مع إلزامها بتصحيح أوضاعها القانونية وفقاً للقانون رقم 19 لسنة 2001؛ جدلًا واسعًا؛ بسبب القيود التي يفرضها على عمل مؤسسات المجتمع المدني، خاصة في جوانب الرقابة المالية واستقلال المنظمات وقدرتها على ممارسة أنشطتها، وسط مطالبات متزايدة باعتماد قانون جديد يراعي المعايير الحديثة.
ويقنن القانون رقم 19 لسنة 2001 التضييق على المنظمات الأهلية؛ إذ تقتصر الأنشطة التي يسمح بتأسيس منظمات فيها حصرًا على المجالات الاجتماعية، والثقافية، والرياضية، والخيرية، والإنسانية، ولا يذكر صراحةً منظمات حقوق الإنسان، أو الرقابة على أداء السلطات، أو مكافحة الفساد، أو تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد.
كما يشترط القانون وجود 50 عضوًا كحد أدنى لتأسيس أي جمعية، وهو رقم مرتفع لا يراعي اختلاف أحجام الجمعيات، وأهدافها، وطبيعة أنشطتها. علاوة على ذلك، يربط القانون في مادته السادسة اكتساب الجمعية للشخصية الاعتبارية بصدور قرار إشهار نظامها الأساسي وقيده في السجل المختص، وهو ما يمنح الجهات الحكومية سلطة تقديرية واسعة في الاعتراف القانوني بالجمعية من عدمه.
وتتدخل المادة 27 من القانون ذاته في استقلال الإدارة الداخلية للجمعية، وقدرتها على تحديد أولوياتها ومناقشة قضاياها واتخاذ قراراتها بعيدًا عن التدخل الحكومي غير المبرر؛ حيث يلزمها القانون بإخطار السلطات باجتماعاتها وإرسال محاضرها، مع إتاحة المجال لحضور ممثل عن السلطة لتلك الاجتماعات.
من جانبها، أشارت البعثة الأممية إلى أن المسودة الجديدة تركز على وضع إجراءات تتسم بالشفافية، والسهولة، والتناسب فيما يخص منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك متطلبات التسجيل، مع ضمان حمايتها من أي تدخل تعسفي أو غير مبرر من جانب الدولة، مؤكدة تجاوز القيود السابقة الواردة في القانون رقم 19.
وستجد هذه المسودة طريقها إلى مجلس النواب واللجان البرلمانية المعنية للدفع نحو النظر في مشروع القانون، وسط تفاؤل أممي بأنه في حال اعتماد هذا التشريع بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، فإنه سيشكل خطوة مهمة نحو تهيئة بيئة تتيح للمجتمع المدني الليبي المشاركة في الحياة العامة للبلاد بحريةٍ، وفعاليةٍ، وأمانٍ أكبر.
ورغم أهمية هذه الخطوة القانونية التي تقودها البعثة والشركاء المحليون، يظل غياب دستور دائم للبلاد تحديًا يواجه استقرار التشريعات على المدى الطويل، فإقرار قانون حديث للمجتمع المدني يُعد مكسبًا جوهريًا، لكن فاعليته القصوى تظل رهينة بوجود بيئة دستورية متكاملة تضمن الفصل بين السلطات وتحمي الحريات العامة بشكل راسخ.
#دروج
سأكتُب. لا أريد أن يموت هذا السرّ الجميل معي، السرّ الذي لم تفهمه ابنتي ولا أبيها ولا أمي ولا قريتي كلها ولا العالم. أنا أكتب لكم الآن بقلمي وعلى كراستي لأنني ببساطة لا أملك وسيلة أخرى للكتابة. سأعود بكم إلى العام 2025، أي سبع سنوات للوراء، فنحن اليوم في العام 2032. تركتُ قبل دقائق ابنتي تشاهد مسلسل السهرة في التلفزيون ودخلت إلى غرفتي لأكتب لكم.
قبل سبع سنوات، كان العالم كعلبة مشروب غازي قام طفل برجها قبل أن يفتحها؛ الصراعات في كل مكان، والحروب لا تنتهي إحداها إلا لتشتعل الأخرى. دونالد ترامب، هل تذكرون ماذا فعل بالعالم قبل أن يموت؟ لقد كان عونًا لكل ظالم حتى إن الموت سئم منه وأخذه بعيدًا قبل أن يحين موعد مغادرته البيت الأبيض. نعم، كان العالم حينها مشتعلًا من أوكرانيا وروسيا إلى السودان وسوريا، مرورًا بفلسطين وجرحها الغائر في غزة، وفي أرواحنا.
في إحدى ليالي صيف 2025 الهادئة، على سطح منزلنا الذي كنا نلجأ إليه عندما تنقطع الكهرباء، تناولنا عشاءنا هناك على ضوء كشاف الموبايل، كنت مع زوجي فقط لأن ابنتي كانت في البيت. أذكر أنني عندما عادت الكهرباء كلمتها بحدة عن إدمانها على الموبايل وتضييعها أوقاتًا جميلة كان يجب أن تكون فيها معنا. قبل ذلك بيوم خضنا الحوار ذاته لأنها تركتني وأبيها مع كعكة عيد ميلادها، ودخلت غرفتها مع موبايلها من أجل تهاني أصدقائها الافتراضيين، ومن أجل الستوريات التي تغرق بها حساباتها المختلفة على السوشيال ميديا. لم يكُ يمر يوم إلا وأنا أذكّرها بجنون الموبايل الذي اجتاحها كما كان يجتاح جيلًا بأسره، وكنت أقتنص الفرص لأحدثها عن حياتنا قبل الموبايلات التي اغتالت فينا كل شيء جميل، وكم قلت من أعماقي: أتمنى أن ينتهي هذا العبث وتعود إنسانيتنا لسيرتها الأولى.
سأعود إلى تلك الليلة، فبعد نقاش طويل ووعد منها بأن تقلل من استخدامها للموبايل، ذهبنا جميعا للنوم. وعلى غير العادة، استغرقتُ فورًا في النوم قبل أن يفعل زوجي، رغم أنني كنت في عطلة، بينما ينتظره صباح من العمل المرهق.
والآن إليكم سري الصغير،
جاء الصبح سريعًا، وصوت قوي اخترق جلد رأسي وأخذ يطرق على عظام جمجمتي، رغم ذلك بدا مألوفًا.
فتحت عينيّ، التفت إلى مصدر الصوت لأجد منبهًا معدنيا كبيرًا بحجم يدي، تأملته قليلًا بعينين شبه مغمضتين قبل أن أُخرسه بكلتا يديّ، وأطيل النظر إليه وأنا أقلّبه بينهما وأقارنه بتلك المنبهات التي كانت في كل البيوت التي رأيتها في طفولتي. حملتُه معي وخرجت متثاقلة من فراشي، لأجد ابنتي تجلس قبالة صورة كبيرة لتلفزيون قديم، نظرتُ طويلًا لأكتشف أن الصورة تلفزيون حقيقي، نعم إنه تلفزيون، شهقت بصوت سمعته ابنتي، فالتفتت وقالت: صباح الخير ماما.
أجبتها بسؤال ملح: ما هذا، ومن أحضره إلى هنا؟
قالت: خيرك يا ماما؟ هذا تلفزيون. وأشاحت بوجهها عني لتُلاحق الصور المضيئة على هذا التلفزيون. صرخت بصوت جِدي: وين بابا؟
فقالت بشيء من الخوف: في العمل، خيرك يا ماما؟
“خيرك؟” مفردة ليبية عبقرية، تعني ماذا بك؟ أو ماذا أصابك؟ أو ماذا حدث لك؟ لكن جدتنا الأولى ألبستها فراشية بيضاء وجعلتها تفاؤلًا بخير خالص، حتى من يبكي نقول له: خيرك؟
ونحن نتمنى أن يكون سبب بكائه خيرًا خالصا ولا شيء غير الخير.
لقراءة النص كاملًا: drooj.com.ly/%d8%a3%d9%82%d9…
أصدرت محكمة جنح القاهرة الجديدة، صباح اليوم، حكمًا بإغلاق موقع "مدى مصر"، وتغريم لينا عطالله، رئيسة تحرير الموقع، ثلاثة ملايين جنيه مصري، بتهمة إدارة موقع إلكتروني من دون ترخيص. وعقب جلسة المحاكمة، احتجزت قوات الأمن عطالله، بعدما أخرجها أفراد الأمن من قاعة المحكمة وهي محمولة عن الأرض، وفق ما أفاد به الموقع.
نعلن في منصة "دروج" تضامننا الكامل مع لينا عطالله، ومع زميلاتنا وزملائنا في "مدى مصر"، في مواجهة هذا الاستهداف الذي لا يطال صحفية ومؤسسة إعلامية فحسب، بل يطال أيضًا حق مجتمعاتنا في المعرفة والوصول إلى المعلومة، وفي صحافة مستقلة تتيح لها رؤية واقعها خارج الروايات التي تفرضها السلطة.
ومن موقعنا كمنصة ليبية، وباعتبارنا جزءًا من مشهد صحفي وثقافي تواجه مؤسساته المستقلة تحديات وجودية، لا يبدو ما يحدث بعيدًا عنا. فقد تشاركنا ذاكرة ثورات حلمت ذات يومٍ بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ونتشارك اليوم واقع أنظمة اختطفت تلك الثورات، وأعادت إنتاج الاستبداد في صور أشدّ قسوة من ممارسات الأنظمة التي خرج الناس إلى الشوارع لإسقاطها.
والمفارقة أن بلداننا تواجه أخطارًا خارجية حقيقية اليوم، وسياسات إقليمية تستهدف استقرارها ومستقبل شعوبها، لكن الأنظمة التي تتحدث باسم حماية الأوطان لا تتردد في تسخير مواردها وأجهزتها لملاحقة الصحفيين وإسكات الأصوات المستقلة وخنق المبادرات الثقافية، وتدمير كل مساحة يمكن أن تنبت فيها دنيا أخرى. وبدلًا من تعزيز قدرة مجتمعاتها على مواجهة هذه الأخطار، تنشغل بتقويض إمكاناتها، وتتحول ممارساتها إلى عامل إضافي يهدد حاضر شعوبنا ومستقبلها، ويحرم الأجيال القادمة من فرصة تخيّل حياة أخرى، وواقع أفضل والسعي إلى تحقيقه.
ولهذا فإن استهداف "مدى مصر" هو استهداف لكل مساحة مستقلة في منطقتنا، ولكل محاولة لصناعة معرفة حرة، ولكل صوت يرفض أن يكون صدى للسلطة.
كل التضامن مع لينا عطالله، ومع فريق "مدى مصر". ومع فريق منصة "متصدقش"، الذي لا زال يقبع رهن الاعتقال.
الحرية للصحافة المستقلة، وللصحفيين والصحفيات الذين يدفعون ثمن تمسكهم بحقنا في المعرفة، والخيال.
@MadaMasr
"اضرب المربوطة تخاف السايبة"، مثل ليبي يلخّص منطق التخويف الذي يُستخدم لضبط السلوك وفرض حدود ما هو مقبول وما هو مرفوض اجتماعيًا. لا تقف العقوبة عند الشخص المستهدف، بل تتحول إلى رسالة تحذير لللنساء، ولتذكيرهنّ بالعواقب التي قد تنتظر من تتجاوز الحدود المرسومة لهنّ.
مع كل بداية عام دراسي، تنشر صفحات المدارس شروط الزي المدرسي للبنات، الأمر الذي يجعل الفتيات يرتدين أكبر قدر ممكن من القماش. لم تعد المدارس أماكن للعب والتعلم، بل باتت القياسات تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على قيم المجتمع. توسعت الدائرة، وباتت تشمل الأعمار الأصغر. هذا التحول لا يعكس وعيًا بقدر ما يفرض مفاهيم تُبعد الفتيات عن الشكل النمطي للأنوثة، بل يربط سقوط المطر بحرية النساء، والعلاقة هنا طردية؛ إذ يؤدي قمع النساء إلى تحصيل البركة، فيما تنزل حريتهنّ غضب الله.
النساء، في هذا الصدد، لسنّ ضحايا بالمعنى الحرفي للكلمة. بعضهنّ يرين في هذا حمايةً لكرامتهنّ وصونًا لأجسادهنّ. تراكمت هذه الأفكار عبر موروث ثقيل، لم يحاول أحد مناقشته وتخفيف تأثيره. اقتصر ما تحقق من نجاح على حضور نسوي خافت، لم ينبع من وصول حقيقي إلى قاع الشخصية الليبية، بل كان جزءًا من قوة الدولة ورؤيتها لمفاهيم المساواة بين الجنسين أمام القانون، كي يخدم الجميع الأمة بعيدًا عن الأدوار التقليدية. وإن كان ذلك محتشمًا، فإنه يظل نقطة مضيئة ستذكرها النساء الليبيات لاحقًا بندم.
لا تعي النساء في ليبيا حجم الخطر القادم. يلعب أحدٌ ما، من وراء الكواليس، دور المنقذ عبر محاربة أي حالة يعتبرها شاذة، قد تهتك عرض المجتمع. يرسم في ذهن الأفراد كونية المؤامرة، حيث ظلت ليبيا الحصن الأخير الذي يحفظ عفة النساء على مستوى العالم، إذ تريد أجندات خارجية وشياطين من المجرات المجاورة تغريب المرأة الليبية وتحويلها إلى نسخة متمردة يصعب السيطرة عليها.
كيف تنزلق الدول إلى أتون مثل هذه الترهات؟ على من يقع اللوم، على قبول مبايعة من ينصّبون أنفسهم خلفاء الله في أرضه، أم على هشاشة الوضع الأمني والسياسي واستغلال الحركات الإسلامية للفوضى، بدءًا من سقوط بغداد وانتهاءً بتنامي نشاط هذه الجماعات في غرب إفريقيا جنوب الصحراء؟ إن تأثير ما يُعرف بالصحوة الدينية على توجهات المجتمع الليبي لا يمكن تجاهله. هذه الصحوة تصف النساء بالفتنة الكبرى، التي يجب محاربتها كي يدخل الجميع الجنة.
ذات الشعب، الذي صوّت في أول انتخابات شهدتها ليبيا بعد أحداث عام 2011، لتحالف القوى الوطنية، ذي التوجه الليبرالي والمدني، وأسقط حسابات التيارات الإسلامية، ما أدخلها في أزمة ثقة بشعبيتها، ودفعها إلى إشعال حرب فجر ليبيا للوصول إلى السلطة "بخشم البندقة".
على المقلب الآخر، اجتهد جهابذة دار الإفتاء من أجل إصدار بيانات تبيّن للعامة خطر قانون هدفه حماية الأسرة ونواتها، أي المرأة، من العنف عامةً، وعنف الأرحام خاصةً. فعلى سبيل الشبهة مثلًا، قد تُقتل النساء على يد من كبروا معهنّ في المنزل نفسه، وربما ذهبوا جميعًا إلى المدرسة وعاشوا المرح الطفولي نفسه. لا أذكر، في طفولتي، أن جرائم الشرف كانت حاضرة في حياتنا اليومية بهذا الكمّ، وحتى الجرائم الجنائية كانت تصل إلينا عبر برنامج أمني مخصص، كنا نتابعه ونسخر من افتقاره إلى المحتوى، ما يجعله رتيبًا. اليوم، نفهم تلك الرتابة باعتبارها جزءًا من المعنى الخفي للأمن والأمان آنذاك.
وليّ الأمر هو من يملك زمام حياة الفتاة. ومع تعذّر تقييد حرية النساء في التنقل بفعل ضغوط خارجية، لجأت بعض الجهات إلى إجراء "فني" يتمثل في طلب إذن السفر من وليّ الأمر. تخيّل امرأة يضمن لها الإعلان الدستوري حرية التنقل، فتُسأل في المطار: أين وجهتك؟ ولماذا تسافرين وحدكِ؟ بناءً على تقديرات شخصية، قد يُسمح لها بالسفر أو تُطالب بموافقة وليّ أمرها. هكذا يُقيّد حقها في السفر، بينما لا يخضع الرجل للإجراء نفسه، ويصبح، بمجرد بلوغه السن القانونية، مواطنًا كامل الأهلية.
يبقى المنظور الذي ترى النساء في ليبيا من خلاله ما يؤثر في حياتهنّ غير محدد الاتجاه. فمثلًا، تتمسك المرأة الليبية بحقها في قيادة السيارة، لكنها تؤيد منعها من السفر وحدها بسهولة صادمة. ويمكن تشخيص أزمة المعايير التي تحكم دوافعنا ورغباتنا كمجتمع فخور بكونه محافظًا؛ إذ يرغب المواطن الليبي في الاستفادة من خروج زوجته أو بناته للعمل، لكنه يمقت الاختلاط ويسعى إلى تحجيم دور المرأة. والعقلية نفسها تفضّل اصطحاب نسائها إلى طبيبة، لكنها تشكك في أخلاق الطبيبات اللواتي يعملن في ساعات الليل وينقذن الأرواح.
بدأ مفعول هذا الدومينو يتضح، ويتجلى في فرض نمط واحد لما هو مقبول وما هو مدان جماعيًا. تنال الشعبوية العنيفة من خيارات النساء الليبيات، ومع مرور الأيام، تصبح المسارات أضيق. لم تحرم القوانين المرأة من ممارسة الحياة السياسية أو تقلّد المناصب؛ بل قادت المرأة الليبية الطائرات، وعملت قاضية وضابطة. ومع ذلك، لا ينبذ طيف واسع من الليبيين هذه الردة، دون اكتراث بتجلياتها على المدى البعيد.
تسيطر حيرة مفزعة على قائمة أولويات النساء الليبيات. فعندما تُزهق روح فتاة، نشعر بموت جماعي وعجز ممزوج بالدونية. وحين تقترف يد آثمة هذه الجريمة، تُطرح أسئلة متطرفة: "شن دارت وعلاش قتلها؟". تتصدر هذه الجمل المشهد، وبدلًا من الإدانة الشاملة، ينقسم المجتمع وتُقدَّم بعض المبررات للجاني. ومع كل ضحية، تبتعد حقوق النساء عن استحقاقها، وتتراجع الأصوات وتغرق في فخ الدفاع عن الحق في الحياة.
#دروج
يستمر المعلمون في ليبيا في إضرابهم الواسع الذي أدى إلى توقف الدراسة في قطاع التربية والتعليم لنحو شهرين، مما أثر على عودة أكثر من 2.6 مليون طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة، وسط تباين في الآراء حول استمرار التصعيد ودعوات لإيجاد حلول جذرية.
ورغم المبادرات البرلمانية والوعود الحكومية والإجراءات المعلنة مؤخرًا، يتمسك حراك المعلمين بقرار إغلاق المؤسسات التعليمية لحين تحقيق كامل المطالب، مما يفتح باب النقاش حول الأطر القانونية المنظمة للإضراب، والحلول المتاحة لإنهاء الأزمة في ظل تباين المواقف بين الجهات الرسمية والحراك النقابي.
ويطالب العاملون في قطاع التعليم بتحقيق العدالة في الرواتب، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكاليف المعيشة، مستندين في مطالبهم إلى المقارنة مع الزيادات الممنوحة لقطاعات وظيفية أخرى في الدولة، مثل منتسبي المؤسسة العسكرية والأجهزة الرقابية والهيئات القضائية.
ويرى مراقبون أن التفاوت في جداول المرتبات المعتمدة خلال السنوات الأخيرة ساهم في تعزيز شعور المعلمين بالمظلومية؛ حيث يبلغ متوسط مرتبات فئة واسعة منهم نحو 2000 دينار ليبي، وهو ما يراه الحراك غير كافٍ لتلبية المتمتطلبات المعيشية الأساسية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وفي سياق الآراء المؤيدة لاستمرار الحراك، تؤكد المعلمة نادية الشيباني في حديثها لدروج على مشروعية المطالب وعدم إمكانية التراجع في هذه المرحلة، مشيرة إلى أن المعلم ظل لسنوات طويلة في الصفوف الخلفية من حيث الاهتمام المادي والدعم الحكومي مقارنة بالجهد المبذول. وترى الشيباني أن التمسك بالإضراب يمثل الأداة القانونية والنقابية الوحيدة المتاحة لضمان نيل المعلمين حقوقهم كاملة، وبناء واقع تعليمي مستقر ومستدام للأجيال القادمة.
وفي المقابل، تعبر المعلمة فاطمة الورفلي، وهي أم لـ3 أطفال في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، عن مخاوفها المتزايدة من الكلفة الزمنية والتعليمية التي يدفعها الطلاب جراء هذا الإغلاق المستمر. ودعت الورفلي إلى ضرورة فك الإضراب واستئناف الدراسة حرصًا على مستقبل التلاميذ وضمانًا لعدم ضياع العام الدراسي، معتبرة أنه يمكن مواصلة الضغط على الجهات المسؤولة وانتزاع الحقوق عبر قنوات ووسائل بديلة لا تجعل الطالب هو الحلقة الأضعف في هذه الأزمة.
ومن زاوية أولياء الأمور، ينقل خالد المرغني، وهو أب لطفلين في المدارس العامة، مظهرًا آخر من مظاهر الأزمة المتمثل في الفجوة التعليمية بين القطاعين العام والخاص. ويبدي التاورغي انزعاجه من توقف طفليه وتأخرهما المستمر في المناهج الدراسية، في وقت يواصل فيه أغلب أقاربهما دراستهم بانتظام في المدارس الخاصة التي لم تتأثر بالإضراب. وعبّر لدروج عن مخاوفه من انعكاس هذا التفاوت السلبي على أداء طفليه بفترة الامتحانات، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يهدد مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب ويحمل تداعيات نفسية وأكاديمية صعبة على أبناء المدارس العامة.
أما على صعيد الطلبة، فيصف أحمد المصراتي، وهو طالب في مرحلة الشهادة الثانوية، حالة القلق والتوتر التي تعيشها هذه الفئة من الطلاب بسبب حساسية هذه السنة المصيرية في مسيرتهم الأكاديمية. ويوضح المصراتي أن تأخر المناهج وضيق الوقت المتبقي يهددان قدرة الطلاب على الاستعداد الجيد للامتحانات النهائية المؤهلة للجامعة، متمنيًا من جميع الأطراف المعنية تغليب مصلحة طلبة الشهادات العامة، وإيجاد صيغة توافقية عاجلة تضمن عودتهم إلى مقاعد الدراسة قبل فوات الأوان.
في غضون ذلك، باشرت وزارة المالية العمل على تسوية الفروقات المالية الماليّة التي يطالب بها المعلمون عبر آلية مقسمة على 4 دفعات متتالية، بالتزامن مع وجود توافق تشريعي لتطبيق جدول مرتبات موحد، والبدء في تفعيل برنامج شامل للتأمين الصحي لمنتسبي القطاع، لتبقى الأيام القادمة مرهونة بمدى التوافق بين هذه الإجراءات الحكومية وسقف مطالب الحراك النقابي.
#دروج
في الفيلم الإسباني "The Platform"، أو كما هو اسمه بلغته الأم "El hoyo"، وهي تعني في الإسبانية الحفرة أو الهوّة. في هذا الفيلم هناك مشهد قصير جدًا بين السجينين في المستوى 48، بين العجوز تريماجاسي والشاب جورينج؛ هذا المشهد لا يستغرق وقتًا طويلًا، لكنه من تلك المشاهد التي تنتهي منها ثم تظل جملة واحدة عالقة في رأسك أكثر مما ينبغي.
في البداية، فكرة الفيلم -لمن لم يشاهده- تقوم على سجن غريب يمتد عموديا إلى الأسفل في مستويات كثيرة، في كل مستوى سجينان، وتهبط عبر المستويات منصة محملة بما لذ وطاب من الطعام، تبدأ من الأعلى، وتمكث في كل مستوى دقائق معدودة، يأكل خلالها السجينان ما يستطيعان، ثم تواصل نزولها إلى المستوى الذي يليه، وهكذا حتى تصل إلى الأسفل.
يبدأ المشهد القصير حين يستيقظ جورينج ذات صباح ليجد نفسه مقيدًا، فيكتشف أن رفيقه العجوز تريماجاسي هو الذي قيّده. وحين يسأله عن السبب، يأتي دور هذا الحوار العميق:
- تريماجاسي: خلال 8 أيام سأقطع شرائح من لحمك البشري وسأحاول إشفاء جراحك. ولا تقلق، سأعطيك نصيبك من تلك الشرائح.
- جورينج: نصيبي من لحمي؟!
- تريماجاسي: فكر في نجاتك وساعدني!
وهنا تحديدًا توقفت: "نصيبي من لحمي؟!" يا لها من جملة!
الرجل سيأخذ من لحمه لكي ينجو من الموت جوعًا، ثم يتفضل عليه بأن يعطيه نصيبه من اللحم الذي أخذه منه أصلًا. وهنا تتجلى الفكرة التي جعلتني أتخذ هذا المشهد مدخلًا لهذه المقالة؛ هذه الفكرة ببساطة هي أن يأخذ أحد منك شيئًا، ثم يمنحك جزءًا منه، ثم يطلب منك أن تنظر إلى الجزء الذي أعاده باعتباره معروفًا. هذه -في رأيي- من أكثر أشكال السخافة اكتمالًا.
هذا هو تمامًا ما جعلني أفكر في الرقعة الجغرافية التي نعيش عليها "ليبيا".لا أقصد بالطبع أن لدينا تريماجاسي واحدًا يجلس في المستوى 48، وإنما يبدو أن لدينا نظامًا كاملًا من التريماجاسيين، مع اختلاف في الملابس والمقرات والسيارات، وربما في نوع اللحم أيضًا!
ففي الفيلم، تنزل المنصة محمّلة بالطعام، وكل مستوى يأخذ نصيبه منه. وفي بلادنا، لدينا أموال عامة وثروات وعائدات نفط واحتياطيات نقد أجنبي، تنزل من مكان إلى مكان، وفي كل مستوى توجد أيدٍ تعرف جيدًا كيف تأخذ نصيبها، ثم ينظر الذين في الأسفل إلى المنصة وهي تواصل النزول، منتظرين أن يبقى فيها شيء! والاستعارة هنا واضحة عن توزيع الثروة والموارد والسلطة؛ فليست المشكلة في قلة الطعام أو غيابه، لأنه موجود بكميات تكفي الجميع، وإنما فيما يقرره الموجودون بالأعلى وماذا يتركون لمن هم في الأسفل.
بالإضافة إلى وجه الشبه الكبير بين الفكرة العامة للفيلم متجسدة في رمزية المنصة، وبين المال العام وعائدات النفط في حكايتنا، إلا أن مشهد تريماجاسي وجورينج وحوارهما عن أكل اللحم يكاد يتطابق مع ما نعيشه اليوم؛ ففي دولتنا الفاضلة يُطبع المال، ثم تُخفض قيمة الدينار، فترتفع الأسعار، وتُستنزفالاحتياطيات، ثم تُرفع المرتبات. وبعد كل هذا يُطلب منك أن تنظر إلى الزيادة باعتبارها عطاءً كريمًا، وأن تقول: شكرًا لأنكم أعطيتموني "نصيبي من لحمي؟!"
نعم يا بني، نصيبك من لحمك. لا تكن جاحدًا، لقد أُعيد إليك. قد لا يكون بالقيمة نفسها، وقد لا يشتري ما كان يشتريه سابقًا، ولكن المهم أنه عاد إليك في صورة راتب جديد، أو علاوة، أو منحة، أو ألفي دولار في السنة. وبعد كل ذلك يُفترض أن تشعر بالامتنان، لأن أحدًا تفضل عليك بجزء من الشيء الذي كان لك أصلًا.
ربما لهذا السبب أحببت عبارة تريماجاسي أكثر مما ينبغي: "سأعطيك نصيبك من تلك الشرائح." لاحظوا كلمة نصيبك؛ لم يقل: سأترك لك بعض لحمك، بل سأعطيك نصيبك، وكأن هناك نظامًا عادلًا للتوزيع، وكأن المسألة مجرد حصة. وهذه واحدة من أكثر الطرق أناقة في تزيين المفارقة: أن تعطي الشيء اسمًا محترمًا، فتبدو الجريمة كأنها إدارة!
في الفيلم، كان تريماجاسي واقعيًا بطريقة مخيفة. لا يحاول إقناع جورينج بأن أكل لحمه أمر جميل، ولا يقدم له خطابًا عن التضحية، ولا يخبره أن الشرائح جزء من مشروع إصلاحي شامل. فقط يقول له: إذا لم نأكلك، سنموت! وهذه ربما أكثر جملة صادقة في المشهد.
ويبدو لي أن هذا تمامًا ما تصنعه الأنظمة التي تصل إلى هذه الدرجة من الاختلال، فهي لا تحتاج دائمًا إلى إقناعك بأن ما تفعله جميل؛ يكفي أن تقنعك بأنه الخيار الوحيد الممكن. ثم يجد المواطن نفسه في النهاية مثل جورينج: مقيدًا، والعجوز فوقه يحمل السكين، ويشرح له بمنتهى الهدوء أنه يفعل كل ذلك من أجل نجاته.
تبا لهذا الفيلم اللعين، الذي سيجعلني كلما سمعت عن زيادة جديدة، أو منحة جديدة، أو قرار جديد لتحسين مستوى معيشة المواطن، سيجعلني أتذكر جورينج وهو ينظر إلى تريماجاسي ويسأله: "نصيبي من لحمي؟!"
#دروج




















